الجيل الحالي من الموظفين Generation Y

الموظفون الشباب
قياسي

من 100 عام -في وقت كانت المصانع تتعامل فيه مع العمال على انهم آلات- اظهرت نتائج دراسات مصنع هوثورن ان اهتمام ادارة الشركة بتكوين علاقة انسانية مع الموظفين والعمال من شأنه ان يحسن الحالة النفسية لهم ويزيد الانتاجية بالتبعية، وغير هذا الاكتشاف من علاقة المديرين بالموظفين، فتغيرت طريقة التعامل..

من 30 عاما بدأت تظهر نظريات كثيرة عن الاختلافات بين اجيال الموظفين السابقة وبين الجيل الحالي (مواليد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي)، واصبحت تنبه المديرين باحتياجات هذا الجيل وكيفية التعامل معه بشكل صحيح، غيرت هذه النظريات من بيئات العمل بشكل كبير واصبح من الضروري عدم تجاهل هذا الموضوع نظرا لاهميته بالنسبة للشركات التي تعتمد على العامل البشري في تشغيلها..

الجيل الجديد يطلق عليه اسم Generation Y، ومن اسباب اختلافه عمن سبقوه اتصاله الدائم بالانترنت مما وفر له مشاهدات اكثر وتعلما اكثر واصدقاء اكثر ومعرفة سريعة بالاخبار، وكذلك معاصرته للكثير من الاحداث التي تخطت حدود الخوف والمنطق، فلم يعد محدود الامكانيات معزولا عن غيره.. بشكل عام يختلف على عدة اصعدة مع من سبقوه، فيما يلي اهم النقاط المعروفة عنه:
ملاحظة: لا يعني هذا ان كل افراد الجيل يتمتعون بالصفات نفسها وبالدرجة نفسها، هناك سمات شخصية وهناك ظروف حياتية وهناك استثناءات تسهم في تكوين الصفات وتحديد درجتها..

حس المغامرة اقوى

الجيل السابق لنا كان يتمنى ان يعمل في الحكومة او القطاع العام لما في ذلك من الاستقرار التام، وجيلنا الذي عمل في القطاع الخاص كان اكثر ميلا للمغامرة المحسوبة، تطور ذلك الى ان وصل الى عصر الشركات الناشئة التي تبدأ ببرنامج تم انشاء اول نسخة منه في شهر الى شركة بمليارات الدولارات، فأثر ذلك في تكوين الشخصية الحالية، واصبح من الاسهل ان يقرر شخص ما ترك وظيفته المريحة (او العمل بها بدوام جزئي) ليخوض تجربة المشاركة في تأسيس شركة ناشئة رغم ما في ذلك من ضغط عصبي ومجهود ومخاطرة، واصبح من المعتاد ان يرتبط باقساط شقة ليكون له استثمار مبكر رغم عدم ضمان استمراره في الوظيفة ورغم تأثره اقتصاديا بتلك الاقساط.

قابلية “التثبيت” اقل

اتذكر اول وظيفة طُلبت بها -بعد ايقافي الاول لشركتي- في شركة كان يديرها شخص اثق فيه واحترمه، اقنعني بان اتقاضى نصف ما يتقاضاه اقل موظف في الشركة بداعي ظروف الشركة.. انا الآن لا اعرف كيف قبلت واستمريت فترة على ذلك رغم انني شاهدت بنفسي ارقام الشركة وكانت جيدة، لكن ما اعرفه جيدا هو ان الجيل الحالي اكثر قدرة على تمييز الصدق وتقدير الظروف بشكل جيد من “التثبيت” غير القائم على اساس صحيح، واتخاذ قرار بناء على ذلك، ولهذا اصبح من النادر ان نسمع عن شخص يستمر في شركة لا تعطيه راتبه لمدة 8 شهور (كان ذلك واردا في السابق) او تخلف وعدها في عدة مواقف..

تأثر اكبر بالزملاء

اعتقد ان هناك عاملين كان لهما اثر كبير في زيادة التأثير بين الزملاء، اولا: اختفاء نظام الرقابة الصارم (بتواجد مدير مباشر طوال الوقت، وكاميرات للمراقبة، ووقت قصير للراحة، الخ) اتاح التواصل المستمر بينهم، وثانيا: الانفتاح الكبير على شبكات التواصل الاجتماعي اتاح لهم الكثير من المواضيع التي يزيد حديثهم عنها من تقوية العلاقات الشخصية.. ينتج عن ذلك التأثر قرارات في كل محاور الحياة والعمل، الصغير منها والكبير، بما في ذلك قرارات الشراء والاستثمار والزواج والعمل الخ.. نتيجة لذلك اصبح اقوى مصدر لثقافة الشركة هو الزملاء انفسهم، اذا كانت السمة الغالبة على الزملاء المؤثرين جيدة فستكون ثقافة الشركة جيدة، والاهتمام بمصلحة العمل كبيرة، وانتشار الشائعات محدودا، وسيكون الموظفون سفراء للشركة خارج حدودها.. والعكس بالعكس..

عوامل التحفيز

الشعور بالتقدير، تولي المسؤوليات، العمل لاثبات الجدارة، التواصل المستمر من المديرين، فهم الهدف مما يفعله، مشاهدة نتيجة العمل، الحصول على رأي المدير في عمله، احترام المدير لظروفه الشخصية، وجود مشاريع كبيرة ومشهورة في السيرة الذاتية، تعلم التقنيات والمعلومات الجديدة، كل هذه الامور تثير اهتمام الجيل الحالي وتساعد في تحفيزه للعمل بطاقة ايجابية والوصول الى اهداف الشركة.. فقدت ذات مرة موظفا جيدا لانني اسندت اليه مهمة كانت مملة جدا بالنسبة له ولم اشرح له الاهمية منها..

الاهتمام بالحياة الشخصية

جاء الي احد الزملاء وطلب اجازة عدة ايام متتالية، فسألته عن السبب فأخبرني بأنه يحتاج الى التواجد عدة ايام مع ابنته الرضيعة لان انشغاله بالعمل عنها وعودته المتأخرة كل يوم جعلها لا تتجاوب معه بل تبكي اذا حملها، وبالفعل اسهم ذلك الوقت الاضافي في ان تتكون علاقة جيدة بينهما.. يتعلم الجيل الحالي من اخطاء الاجيال الماضية، ويعطي اهمية مناسبة لحياته الشخصية، سواء على صعيد الحياة الاجتماعية او التنمية الذاتية، وحتى اذا غفل عن ذلك فترة فإنه يحاول اصلاحها والعمل على ان تسير بشكل جيد جنبا الى جنب مع العمل..

الاهتمام بالتطور الوظيفي الشخصي

اصبح هناك اهتمام بالتطور الوظيفي للشخص، لم يعد كافيا ان يكون الراتب مناسبا، اصبح مهما ان اعرف ما الذي ينبغي علي ان اتعلمه لاتطور، وما هي فرصي المستقبلية في هذا المجال، ويعكس هذا خوف الجيل الحالي من مصير متكرر في الاجيال السابقة في اوقات الازمات: حين كانت تغلق الشركة ابوابها او تقيل الموظف فيجد نفسه دون خبرات تؤهله لوظائف في شركات اخرى نتيجة عكوفه على اداء وظيفة محددة لم تتطلب الا معرفة محدودة جدا في مجال معين او حتى في برنامج معين.. لهذا اصبح الاحتياج الى التدريب والتطوير والحديث عن المستقبل في الشركات مهما..

البحث عن معنى للعمل

تتزايد اهمية هذه السمة عاما بعد عام، الجيل الحالي يكره القيام بعمل لا معنى له، سواء كان ذلك يعني انه يعمل على جزء من مشروع ولا يعرف فائدة هذا الجزء، او يعمل على مشروع ولا يعرف فائدة المشروع ولا قيمته ولا تأثيره على المستفيدين مستقبلا، او يعمل على مشروع ويجده قد اهمل ولم يطلق للجمهور في الاساس.. يحتاج الى المعنى في عمله كما يحتاج اليه كل منا في حياته، من ناحية لان هذا يعطيه السعادة والشعور بالقيمة، ومن ناحية اخرى لانه يشاهد زملاءه ممن يتحدثون بفخر عما يقومون به وعن تأثيره على الناس..

أكثر جرأة في تغيير الشركة

نتيجة للنقاط السابقة يمكننا معرفة بعض اسباب الانطباع السائد عن الجيل الحالي، كونهم اكثر جرأة في تغيير الشركة التي يعملون بها والذهاب الى شركة اخرى.. يزيد على تلك الاسباب ما يلي:
1- دائما يكون الراتب اكبر في الشركة الاخرى، ونظرا لاختلاف ظروف الشركتين وامكانياتهما وطبيعة عملهما لا يمكن للشركة الحالية المنافسة في الراتب، كما ان كثيرا من الشركات لا تزيد راتب الموظف بشكل يوازي زيادة الرواتب في السوق مما يجعل راتبه بعد عامين او ثلاثة اقل بكثير جدا عما يستحقه.
2- منصب افضل، ويسبب هذا احيانا مشاكل للشخص نفسه لان كونه جيدا في عمله لا يعني ان بامكانه الانتقال الى مرحلة اعلى في السلم الوظيفي وتولي مسؤوليات قد لا يكون مؤهلا لها بعد (معظم الشركات الناشئة تقع في هذا الخطأ).

الالمام بهذه الامور ضرورة لكل من هو قائم على ادارة شركة او مشروع او قسم في شركة، لان الامانة تقتضي ان يتصرف مع الناس عن نور وعلم ودراية، فالمدير مؤتمن على مصالح اصحاب الشركة ومصالح الموظفين، وعمله دون علم ودون خبرة خيانة للامانة، ومن العادي ان يخطئ، ومن الضروري ان يعتذر وان يصحح الخطأ بعدها.. والشركة في النهاية تمس حيوات الكثيرين من المستثمرين والشركاء والموظفين وعائلات كل هؤلاء، وكذلك العملاء..

عندما يفهم المدير هذه الامور بشكل صحيح ويبدأ في دمجها بطريقة تفكيره وقراراته وتعاملاته يتحول الموظفون الى شركاء في الشركة، ويهتمون بمصلحتها، ويبذلون قصارى جهدهم في سبيل انجاحها.. لن استطيع ان احكي اشياء من تجربتي الشخصية الحالية الآن، لكن ربما افعل ذلك يوما ما ان شاء الله 💖