نقطة الفشل الواحدة Single Point of Failure

في مقتبل حياتي كان لي زميل مهندس اكبر مني بكثير ينحصر دوره في الشركة في ثلاث مهام: ارسال الطلبات الى الشركة التي نستورد منها، واستقبال الاسعار منها، والاتصال بها تليفونيا اذا كانت هناك ضرورة لذلك.. كنا اذا تحدثنا عن احلامنا وطموحاتنا لم يشاركنا على الاطلاق، مع الوقت انتبهت الى السبب: اذا توقفت الشركة لاي سبب او توقف عمل هذا الزميل فيها فسيلاقي صعوبة كبيرة في الاستمرار بحياته على المستوى نفسه الذي يعيشه الآن، من الصعب ان يجد وظيفة جيدة وبراتب مقارب، وذلك لان معلوماته وخبراته لا تتطور في اي شيء خارج المهام الثلاثة التي يقوم بها، كان طموحه ان يظل في تلك الوظيفة! فتحولت هذه الوظيفة بالذات له الى “نقطة الفشل الواحدة”..

كثيرا ما كنا نسمع عن اشخاص تعرضوا لعمليات نصب واحيانا ما تعرضنا لذلك بانفسنا، دائما هناك من يصابون بامراض وتتهدد صحتهم ومعيشتهم بشكل كبير عند اكتشاف المصيبة، وهناك من يتضررون لكن تستمر بهم الحياة، هناك سبب مهم (بالاضافة الى كون الصبر عن المصيبة فضيلة) وهو نسبة المبلغ المنهوب، كلما مثل المبلغ نسبة اكبر من مال الشخص (بالذات اذا تعدى 50%) كان رد الفعل اقوى، وذلك لانه جعل هذه العملية الاستثمارية “نقطة الفشل الوحيدة”..

حكى لي احد رواد الاعمال ان شركته فقدت نصف مليون جنيه العام الماضي في الرواتب اثناء انتظارها المستمر للوعود المتكررة لشريك مؤسس بقرب اكتمال المشروع، وبعد 8 شهور استقال دون ان يكون هناك اي مشروع، واضطر رائد الاعمال الى البدء من الصفر الى ان حقق نجاحا جيدا الآن.. الثقة المفرطة في ذلك الشريك الاوحد جعلت منه “نقطة الفشل الواحدة”..

في لقائه الصحفي قال مؤسس موقع “بكام” ان خطأه يتمثل في اعتماده على الوعود والتأكيدات المبدئية لاحد المستثمرين وانتظاره له مما ادى الى التوقف عن البحث عن مستثمرين آخرين، فلما غير المستثمر رأيه كان المال قد انتهى فتوقف المشروع تماما.. الاعتماد على ذلك المستثمر الاوحد جعل منه “نقطة الفشل الواحدة”..

صديق عزيز له شركة تنمو بشكل جيد، توقف نموها حوالي السنة بسبب عدم رغبة المطور المسؤول عن المشروع بالاستمرار في العمل على المشروع، في هذه الاثناء كانت تأتي طلبات جديدة الى المشروع ويضطر الى تأجيلها الى ان يتمكن من اجراء الاصلاحات والتعديلات عليه دون ان تكون امامه مدة زمنية محددة او تصور محدد لذلك، والاختيارات في هذا الوقت كانت صعبة.. كان هذا المطور “نقطة الفشل الوحيدة”..

في وقت مبكر من حياتي سألني عميل بعد ان اتفقنا على العمل: ماذا سيحدث للعمل وللمبلغ اذا حدثت لك مصيبة؟ على الرغم من طريقة السؤال الا انني تعلمت منه كثيرا، ما دامت الامور تسير على ما يرام فلا يميل عقلنا الى التفكير الكثير واكتشاف “نقاط الفشل الواحدة” الكفيلة بإحداث مشاكل كبيرة.. وبالفعل تعرفت على رائد اعمال كان مشروعه يسير بشكل رائع الى ان توفي الشريك المؤسس فجأة فانهار المشروع واغلق..

هذه القصة تكررت مرتين مع صديقين مختلفين: صديقي متعدد الامكانيات والمهارات كانت له شركة ناشئة واعدة جدا تعمل في مجال الشركات (B2B)، ومعه مستثمر مؤمن بالفكرة من البداية، ودرس المشروع وتأكد من وجود سوق مناسب له، وبالفعل حصل من البداية على عميل كبير جرب الخدمة ودفع المقابل، ادى ذلك الى هدوء نسبي في نشاط التسويق فلم يكن يتم بطريقة هجومية (aggressive)، والى الاهتمام بالمنتج بشكل اكبر، عندما توقف ذلك العميل فجأة عن الدفع لم يكن امام الشركة الا ان تغلق (في حالة) او تستفيد من الموارد المتاحة في عمل خدمة بديلة مع تغيير نوعية العميل (في الحالة الثانية).. الاعتماد على ذلك العميل الاوحد جعل منه “نقطة الفشل الواحدة”..

استعرت هذا التعبير من علوم الكمبيوتر لاهميته في حياتنا عموما وفي عملنا خصوصا، Single Point of Failure (نقطة الفشل الواحدة او او نقطة العطل المفردة) تعبير يدل على جهاز او آلة او جزء برمجي او وصلة “يعتمد” عليها النظام، بحيث لو حدثت لها مشكلة ما (فتصرفت بشكل خاطئ او عطلت تماما) فسوف تسبب تعطيل وفشل النظام كله.. يمكن ان يكون هذا عريسا مرتقبا او عروسا مرتقبة، وظيفة، مستثمرا، شريكا، صديقا، مشروعا او استثمارا، طبيبا، محاميا، واسطة، يمكن ان يكون مرحلة من مراحل العمل في الشركة، يمكن ان يكون اي شخص او شيء يتوقف عليه العمل او تتوقف عليه الحالة النفسية او الحالة الصحية..

كيف نتغلب على نقاط الفشل الواحدة هذه؟

1- اعرفها! عندما تقدم على شيء ما فليكن هناك اهتمام بمعرفة الاشياء والاشخاص الذين “سيعتمد” عليهم الامر وبالتالي سيمثلون نقاط فشل مفردة له، مجرد معرفتك بهم وتحديدك لهم سيجعلك يقظا دائما وفي حالة بحث دائم عن حلول لكي لا يكونوا نقاط فشل مفردة، وافضل طريقة لتحديدهم هو السؤال التشاؤمي: “ماذا لو حدثت مشكلة لهذا الشيء او لهذا الشخص؟”

2- غير الترتيب.. هل من الممكن ان يتم عمل المطلوب بترتيب مختلف لا يمثل فيه هذا الشيء او هذا الشخص نقطة فشل واحدة؟ هل يمكننا استخدام اشخاص من الخارج اكثر خبرة مثلا؟ هل يمكننا استخدام جهاز مختلف اقل في نسبة الاعطال؟ هل يمكننا استخدام جهاز اسرع لا تتوقف عنده العمليات وقتا طويلا؟

3- وفر الاحتياطي.. اذا تمكنت من توفير شيء او شخص احتياطي بديل للاساسي الذي يمثل نقطة فشل واحدة فافعل ذلك، اشتراك الانترنت للمطورين نقطة فشل واحدة، يجب ان يكون هناك اشتراكان مختلفان او اكثر، اجهزة الكمبيوتر كذلك فيجب ان يكون هناك جهاز احتياطي، مطوران او اكثر في قسم معين افضل من مطور واحد، معرفة مدير المشاريع والمحاسب بتفاصيل الاعمال ومواعيد الدفع افضل بكثير من ان تكون بيد مدير الشركة فقط، وجود مصدر بديل للكهرباء في اماكن كثيرة امر ضروري للاستمرار عند انقطاعها..

4- ضع الخطة البديلة.. السؤال التشاؤمي السابق يمكن اتباعه بسؤال آخر بعد اكتشاف ان شيئا ما او شخصا ما يمثل نقطة فشل واحدة، “ماذا نفعل عندها؟” وهنا يمكن وضع خطط الازمة، اذا حدثت المشكلة الفلانية فيمكن ان نقلل من تأثير الضرر بفعل كذا، وهكذا.. يمثل ذلك اطمئنانا للشركة ويحافظ على الروح المعنوية لمن فيها..

كل ما سبق يجب ان يكون مكتوبا، النقاط، والترتيب، والاحتياطي، والخطط البديلة، واهم من ذلك كله: ان يكتب كل شخص تفاصيل ما يقوم به ليكون هناك نظام مكتوب يمكن تدريب اشخاص آخرين عليه في وقت قصير دون تأثير على العمل..

شارك الموضوع
FacebookLinkedInYouTube