خطواتي الأولى مع الكمبيوتر

كمبيوتر حاسب قديم

على صفحة جوجل الرئيسية أمس صورة كمبيوتر قديم متصل بالإنترنت وعلى شاشته متصفح مفتوح، وذلك احتفالا بمرور 30 سنة على ظهور الويب (الذي أكتب عليه الآن ما تقرؤه أنت الآن)، وعلى الرغم من بساطة الصورة وعلى الرغم من عدم تأثري بصور أغلفة جوجل -في العادة- إلا أنها أعادت إلي سلسلة من المشاهد التي لا تزال تحتفظ بألوانها في ذاكرتي رغم مرور السنين، وسحبتني المشاهد إلى الجو النفسي الخاص بها بكل ما في ذلك من حنين وامتنان وخجل وحيرة وحزن وسعادة، فشعرت بالحاجة للكلام.. وأنا الآن أكفكف جاهدا تلك المشاهد عن امتلاك حروف لوحة المفاتيح محاولا أن أنظم منها خطا زمنيا مفهوما ومفيدا، مع تأكيدي على أن كل مقاديري بيد الله وأن كل توفيق حدث لي هو بفضله فقط..

في المرحلة الثانوية كانت كلمة “كمبيوتر” لا تعني لي أكثر من غيرها من الكلمات التي تعبر عن مجالات لا أهتم بها ما لم أكن في حاجة إلى ذلك، حتى إنني اخترت أن تكون المادة العملية الإضافية هي “الزراعة” في السنة الأخيرة من المرحلة -1992- (وكان “الكمبيوتر” و”الفنون” متاحين)، دون أن أشعر بأن شيئا ينقصني أو حتى بشيء من الفضول للتعرف عليه.. وفي منتصف السنة دعاني أحد الزملاء ممن اختاروا “الكمبيوتر” لأحضر معه الحصة القادمة، وعندما تأففت أخبرني بأنه يريد أن يريني برنامجا قام بعمله، فحضرت دون أن تكون لدي أي توقعات.. وفي حجرة الكمبيوتر وجدت زملائي جالسين إلى الأجهزة، يشغلونها ثم يضعون قرصا مربعا كبيرا في مكان مخصص، وبعد ذلك تظهر أشياء على الشاشة لم أفهمها فيكتبون لها أشياء لم أفهمها، ولم يكن هناك شيء مميز، بل إن رائحة الحجرة الناتجة عن البلاستيك والهواء الناتج عن مبردات الأجهزة ضايقني.. وبينما كانت تزيد حالة الملل لدي لدرجة التفكير في الخروج من الحجرة دعا زميلي المدرس ليريه ما قام بعمله، فوضع القرص وكتب أشياء لتختفي الكتابات وتبدأ دوائر ملونة في الظهور بأنماط جميلة، دوائر صغيرة تكبر، ودوائر كبيرة تصغر، ودوائر تتكرر بألوان مختلفة، ودوائر تتداخل بشكل جميل، اتسعت عيناي وأنا أشاهد هذا الإنجاز الذي صنعه زميلي، واتسعت أذناي وأنا أسمع المدرس يشيد مبهورا بالإنجاز ويطلب من زميلي أن يطبعه على “البرنتر”، وأضاءت بعض الأنوار في عقلي، ثم ما لبثت أن خفتت تماما مع المذاكرة للشهادة الثانوية..

دخلت كلية الهندسة ولم أنتبه للاختلاف الكبير بين طبيعة الدراسة والمذاكرة فيها وبين طبيعة الدراسة في المراحل السابقة، فنجحت بصعوبة بالغة، وكانت تلك من الصدمات الكبرى في حياتي، إذ استغرقت بعدها عدة أيام لاستعادة التوازن مرة أخرى.. إلا أن ما لفت انتباهي هو أن المادة الوحيدة التي شذت عن المجموعة وحققت فيها امتيازا كانت “الكمبيوتر”، إذ يبدو أن تلك الدوائر الملونة المتحركة من العام السابق كانت قد انطبعت في وجداني دون أن أدرك ذلك، فانعكس على اهتمامي بالمادة ومذاكرتها والسؤال فيما غمض علي فيها.. وفي مرحلة اختيار القسم المراد إكمال الدراسة فيه بدءا من السنة التالية كنت أتمنى أن أدخل قسم “الكمبيوتر” لأكون من أول دفعة تدرس فيه، إلا أن التقدير المتواضع الذي حصلت عليه حال بيني وبينه، فدخلت قسم هندسة القوى والآلات الكهربية ورضيت به وتأقلمت معه كالعادة..

من الغرابة أن أشعر بدقات قلبي تتسارع أثناء كتابتي للمشاهد التي حدثت، إذ لم يكن هذا شعوري وأنا أعيش هذه الأحداث، فقد كانت بطيئة وتستغرق أياما وشهورا، ولم أكن أعرف إلى أين تؤدي كل خطوة وإلى أين يذهب كل اختيار، ولم يمكن من الممكن أن أشعر في أي منها بلحظة “العقدة” أو “لحظة التنوير” كما في القصص، ربما جاءني هذا الشعور الآن لأنني أتعامل معها هذه المرة -ولأول مرة- كأنها قصة قصيرة..

في ثاني سنوات الجامعة لم تنقطع صلتي بزملائي القدامى ممن التحقوا بقسم “الكمبيوتر”، فكنت أرافقهم في أوقات “البريك” إلى معمل الكمبيوتر وأراقبهم يعملون على الإنترنت، في البداية كان من الممكن أن أجاريهم فيما يقولون وما يفعلون، لكن عندما بدأ الأمر يتطور إلى “لغات برمجة” لا أفقه منها شيئا، و”أوامر” لا خلفية لدي عنها، و”تقنيات” اخترعت حديثا لم أسمع عنها من قبل، ، وعندما بدأت أنا أخجل من أسئلتي الكثيرة التي لم أفهم كل إجاباتهم عنها، بدأ شعور جديد في الظهور: التحدي.. لم يكن من المناسب أن يتسلل الإحباط إلي وقتها لأنني كنت قد تعلقت بالكمبيوتر واهتممت به -رغم أنني لم أمتلك واحدا نظرا لظروف العائلة وقتها-، كما أن الإعلام كان يتحدث دائما عن أهمية الكمبيوتر في حياة الناس وفي تسهيل أعمالهم وفي تطورهم.. ولم يكن شعور التحدي يحمل سمات الحسد من حيث تمني زوال النعمة من الغير، وإنما بمعنى ألا أقل عن أحد منهم في المستوى فيما يخص استخدام الكمبيوتر، وكان ذلك الشعور ينمو بسرعة متزايدة دون أن أعرف ما إذا كانت هناك فرصة لتحقيق الهدف أم لا، لذلك لم يكن غريبا أن أهتم بإعلان على ورقة عادية يتحدث عن دورة تدريبية في الكمبيوتر لأبناء المهندسين في نقابة المهندسين، وعقدت العزم على حضورها، ثم حدثت تطورات في الدراسة أنستني تلك الدورة..

حلت الإجازة الصيفية وعرف والدي أنني مهتم بالكمبيوتر لكثرة كلامي عنه، فتحدث إلى صديق له يمتلك شركة بيع أجهزة وتدريب واتفق معه أن أذهب لأتدرب عنده، فذهبت بحماس كبير، وبعد أسبوع كنت سأرحل، فلم يدربونا إلا على دوائر إلكترونية لا اهتمام لي بها، لم يكن هذا هو الكمبيوتر الذي أريد أن أتعلمه، وعندما تواصلنا مع المدير حولنا إلى التدريب فأصبح أحد المهندسين مسؤولا عنا، وتعلمنا منه مبادئ البرمجة (QBasic) ثم انشغل عنا، فبدأت الرحلة الجديدة في استكمال التعلم، كنت أصل أولا وأفتح بمفتاح أعطوه لي، وأظل عاكفا على الكمبيوتر أقرأ شرح كل أمر من أوامر اللغة وأجربه دون أن أنتبه لموعد إفطار أو غداء، إلى أن يرحل الجميع فأغادر الشركة بعد العاشرة مساء، وعندما قمت ذات يوم للمغادرة فسقطت أرضا للهبوط الذي اعتراني بدأت أهتم بالأكل والشرب وحاولت تنظيم التدريب، واستمريت فيه..

في الشهر الأخير من الإجازة طلبوا منا نقل ثلاثين جهازا إلى مبنى نقابة المهندسية الفرعية، ثم أخبرونا بأن المهندس المسؤول عن التدريب سيدرب أبناء المهندسين على استخدام الكمبيوتر هناك، وكلفوني أنا وزميلا آخر بمرافقته لمساعدته.. في النقابة كان هناك ثلاثون طفلا متحمسون كبراهم عمرها 18 سنة وأصغرهم 7 سنوات، وبدأ المهندس الشرح بالطريقة النظرية التقليدية التي تتحدث عن نظام الأرقام الثنائي، وبالتالي لم يكن من الغريب أن يبدأ الأطفال في الحركة والتشتت واستخدام لوحات المفاتيح لأغراض لا تتعلق بالكمبيوتر، فقال لهم “سيكمل معكم م. محمد حسام”، أخذتني المفاجأة لكنني كنت قد تضايقت لحماس الأطفال الذي فتر، فبدأت أحكي لهم قصصا توصل إليهم مفاهيم خاصة بتاريخ الكمبيوتر وبطريقة عمله، وأخرجت من جيبي الجنيهات الفضية المتاحة وخصصتها كجوائز لمن يجيب أسئلتي أسرع، وانتهت الدورة بعد شهر بحب الأطفال لي وتعبيرهم عن تقديرهم لي في استطلاع الرأي النهائي..

عندها جلست مع والدي ووالدتي -رحمها الله- وطلبت منهما أن يشتريا لي جهاز كمبيوتر، كنت أعرف أن الإمكانيات لا تتيح ذلك لكنني كنت صادقا في وصف احتياجي له وأهميته لي، لدرجة أنني قلت بوضوح “إذا لم أحصل على كمبيوتر وأعمل على الإنترنت فسوف يضيع مستقبلي” في سياق شرحي لأهميته وكيف أصبح العالم كله يتحدث عنه وعن الإمكانيات المهولة التي يتيحها هو والإنترنت، فقررا الدخول في جمعية لتدبير المال اللازم لشراء الجهاز، وبالفعل تمكنت من اقتنائه وإحضاره إلى المنزل في تلك السنة.. ثم اتصلت بقريبي العزيز مدرس الجامعة الذي كان له اشتراك إنترنت مجاني تابع للمجلس الأعلى للجامعات وأخذت منه بيانات الدخول إلى الإنترنت، ودخلت.. من المفترض أن تكون هذه لحظة انتصار درامية، لكنها لم تكن كذلك.. دخلت بعد أن استمتعت بصوت “المودم” وهو يردد نغماته كشفرة سرية لا يفهمها إلا الإنترنت ليوافق على دخوله ودخولي معه، وظهرت كلمات تعبر عن الترحيب ثم علامة الـcursor التي تضيء وتطفئ لتدعوني إلى كتابة الأمر الذي أريده.. لكنني لم أكن أعرف أي أوامر تتعلق بالإنترنت! فكان أمامي أمر واحد أفعله طوال الليل: أضغط Enter وأشاهد الـcursor تنزل إلى سطر جديد وأفرح بها، وكلما شعرت بالملل كتبت بعض أوامر الـDOS ليرد علي الإنترنت بجملة تعني أنه لم يفهم ما أريده، ثم أعود لأضغط Enter مجددا لأفرح بأنني لا زلت على الإنترنت..

كان التعلم صعبا في غياب محركات البحث وفي غياب ويندوز (التي توفرت لنا بعدها بفترة)، إلا أنني لم أشعر بالتعب يوما ولا بالملل فقد أعطاني شعور التحدي وكذلك الشعور بأهمية ما أنا بصدده طموحا كافيا، كنت أتعلم شيئا ثم أجربه سواء في معمل الكلية أو في المنزل، وطالما سهرت ليالي طوالا أجرب وأخطئ وأجرب وأحفظ لساعات تمتد إلى الثالثة فجرا، وطالما تركت محاضرات وسكاشن لأكمل ما كنت أفعله على أجهزة المعمل، إلى أن انتبهت إلى أنني أصبحت أصل إلى معمل الكلية قبل أن يفتح أبوابه وقبل وصول الموظفين (الذين أصبحوا أصدقاء أعزاء بالطبع).. انتهت هذه الفترة من التعلم المستمر تدريجيا لأنتبه على صوت مديرة المعمل وهي تذكر اسمي وتشير إلى مكاني لترشد أحد أعضاء هيئة التدريس الذي كان يسأل عني ليستشيرني في مشكلة تخص بريده الإلكتروني وآخر ليسألني عن طريقة تحميل الملفات وهكذا، وأصبح زملائي يقصدونني للتعرف على أحدث تطورات الإنترنت، فتحقق الهدف، لكن دون لحظة درامية غامرة، إذ بدأ التحدي في الذبول مع الوقت ليحل محله شعور السعادة والإشباع (satisfaction) المتناسب طرديا مع المدة التي أقضيها على الإنترنت، وظهر متصفح “Netscape” للويب فانبهرت بما رأيته، ووجدت مصادر لتعليم تصميم المواقع فانقضضت عليها، ولم يمر أسبوع حتى أصبحت أصمم مواقع شخصية وأنوع فيها..

في تلك السنة الدراسية طرح علينا أحد الأساتذة سؤالا غير متوقع “من منكم لديه بريد إلكتروني؟” ولم ترتفع في الفراغ إلا يدي ويد زميل آخر من بين 150 شخصا في الدفعة، فسعد بنا وتبادلنا معه عناوين الحسابات للتواصل مستقبلا، ودهش عندما أخبرته أنني أعرف تصميم المواقع.. بعد شهر أرسل إلي رسالة على البريد الإلكتروني يطلب مني الذهاب إلى قسم من أقسام الكلية لتصميم موقع بمقابل مادي لهم، وكانت تلك أول 700 جنيه أكسبها من العمل كمصمم مواقع، وكان موقعا جميلا، إلا أن ذلك الإنجاز كان بدون جمهور، فكلما عرضت الموقع على زميل من الزملاء في معمل الكلية لم يستوعب الأمر وإنما منحني بضعة كلمات تشجيعية خالية من المعنى.. كانت النتيجة الهامة لهذا العمل أن بدأت بذرة لشعور آخر تنمو: أريد أن أؤسس شركة! وهذا فصل آخر من حياتي بدأ بأحلام يقظة مستمرة وباسم كان من السهل علي اختياره هو “إنترنت بلس” تقليدا لمطعم “بيتزا بلس” الذي كان يمنح بيتزا مجانية مع كل بيتزا، ولا زال مستمرا حتى الآن -بفضل الله- رغم مروره بمنعطفات ومنحدرات ومرتفعات لم تكن معظمها على البال..

FacebookLinkedInYouTube