هل أعمل في وظيفة أم أبدأ مشروعي؟

وظيفة ام مشروع
قياسي

– بما أنني أوشكت على إنهاء دراستي، هل أبدأ في تنفيذ فكرة مشروعي أم أعمل في وظيفة؟ 
– اعمل في وظيفة.

– 🤨 
تصورت أنك ستنصحني بأن أطارد حلمي وأعيش شغفي وأحقق ذاتي بما أنك تكتب في ريادة الأعمال وعالم البيزنس!
– هل تسألني لتسمع مني ما يفرحك أم ما أنا مقتنع به؟ 😅

– ما أنت مقتنع به طبعا!
– إذن اعمل في وظيفة.

– لماذا؟
– عملك في وظيفة سيكسبك المعلومات والخبرات والمهارات التي ستصنع منك رائد أعمال جيدا في المستقبل.

– هل تقصد أن أتعلم؟ لكنني على وشك أن أنتهي من سنوات التعلم الطويلة وأريد أن أدخل إلى الحياة العملية!
– اعتبر أن هناك فائدتين للتعلم: المعلومات التي تتلقاها وتحفظها وتفهمها، وترقية طريقة تفكيرك ورؤيتك للأمور، وهذه الأخيرة أهم بكثير وهي المكسب الحقيقي لك من التعليم الرسمي، أما المعلومات التي تتلقاها فعندما تخرج إلى السوق فقد تجدها مفيدة جدا وقد تجدها غير مفيدة على الإطلاق، يعتمد ذلك على نوعية المؤسسة العلمية التي تعلمت فيها، وعلى مجال التعلم نفسه، وعلى الكتب التي تعلمت منها، وعلى طريقة ومستوى المدرسين، الخ.. والنتيجة أنك ستحتاج إلى تعلم ما تعمل به في سوق العمل، إلا أن الخبر الجيد هو أن ذلك لن يكون بالملل ولا بالصعوبة ولا بطريقة المذاكرة ولا حتى بطول الأوقات التي كان عليها التعليم الرسمي..

– ماهي الأشياء التي أحتاج إلى تعلمها سواء لدخول سوق العمل والتميز فيه أو لإنشاء مشروعي؟
– ثلاث مجموعات: تخصصك الوظيفي، ومجال الشركة/المشروع، المهارات العامة (soft skills)..

– ألا يمكنني أن أكتسب هذه المعلومات والخبرات والمهارات من تنفيذ مشروعي؟
– بلى يمكنك ونعم لا يمكنك، ستكتسب من مشروعك مهارات تتعلق بالتعامل مع بعض الناس وبتقديم المعلومات (presentation)، وخبرات تتعلق بإعداد دراسات سطحية للمشروع وتوقعات لأرقامه، وكذلك بمتابعة المنتج ومراحل تنفيذه، ومعلومات أولية في السوق والمنافسين والعملاء.. 
لن تكتسب المهارات الأساسية في التعامل مع الزملاء والمديرين وتحمل الضغوط الناتجة عن ذلك، ولا خبرة التعامل مع العملاء بعدد كاف، ولا خبرة تخصصك أنت (سواء كنت تعمل في التسويق – تطوير الأعمال – خدمة العملاء – الإدارة – تقنية المعلومات – الخ)، ولا فرصة تكوين العلاقات التي قد تتطور إلى شراكات مفيدة في المستقبل، ولا مهارة المرور بمقابلات العمل، ولا خبرة التعامل مع الرفض المتكرر، وغير ذلك..

– ما الفرق بين هاتين المجموعتين من الخبرات والمهارات؟
– ما تكتسبه من مشروعك في مقتبل حياتك غير كاف لتشكيل الجانب العملي والأعمالي (نسبة إلى business) منك، في حين ما تكتسبه من الوظيفة يمكنه أن يسهم في ذلك بشكل كبير إذا كنت تعرف ما تريد أن تصل إليه..

– أشعر أن الفرق صغير بينهما، إذن لماذا لا أبدأ بتنفيذ مشروعي الآن؟
– هل من الأفضل أن تغامر ومعك الأدوات المطلوبة أم بدونها؟

– ومعي الأدوات طبعا..
– ما هي نسبة فشل المشروعات الناشئة المدعومة بشركات استثمار (VCs)؟ 75% وأكثر منها في بعض الدول، فكم تتوقع نسبة نجاح المشروعات غير الحاصلة على استثمار كبير وكاف؟ أكبر من ذلك بكثير.. ومن أكبر الأسباب الحقيقية للفشل عدم الكفاءة، والمعرفة غير الكافية في مجال المشروع، وقلة الخبرة اللازمة لتنفيذ المهام المطلوبة في المشروع، والمشاكل الشخصية، أمور نحاول تجميلها عندما نقول “لم يكن السوق في حاجة للمشروع” و”التوقيت لم يكن مناسبا” و”المنتج رديء وبه عيوب” و”نفد المال من المشروع”..

– أليست هناك أشياء يمكنني أن أتعلمها لأعرف كيف أدير مشروعي وأشغله بشكل يوفر له أسباب نجاح معقولة؟
– الإدارة بالذات (بكل مجالاتها وفروعها – التي أصبح بعضها مجالات رئيسية مثل الإدارة نفسها) من العلوم التي تحتاج إلى خبرة ميدانية كافية للاستفادة من التعلم النظري فيها، ولهذا تتطلب ماجستير إدارة الأعمال عدة سنوات من الخبرة قبل التقدم للدراسة..

– نسيت أن أخبرك أنني أشارك في أنشطة طلابية وأساهم في التنظيم والإشراف والتنفيذ، فهل هذا يجعلني مؤهلا لتنفيذ المشروع؟
– هذه الأنشطة تمنحك بعض المهارات بالفعل، إلا أنها في الغالب مهارات من نوعية soft skills، وهي مفيدة لك بشكل عام، في حياتك وفي عملك، وستكون مفيدة لك أكثر إذا عملت في وظيفة، إذ ستكون موظفا مثاليا من حيث العمل في فريق والمشاركة في تنظيم الأمور والمشاركة الفعالة في الاجتماعات مما يجعل فرص تقدمك الوظيفي أكبر، أما في مشروعك فلن تغني بشكل كاف عن الخبرات المطلوبة لإدارة الشركة ولا للقيام بمجال تخصصك نفسه..

– هل يجب أن أبحث عن وظيفة معينة أم ألتحق بأي وظيفة أجدها؟
– ابحث عن وظيفة توفر لك شيئين أساسيين: أولا الخبرة اللازمة لمجال فكرة مشروعك، فإذا كان مشروعك عن التجارة الإلكترونية فحاول أن تعمل في شركة تعمل في المجال نفسه، وإذا كان في مجال العقارات فحاول أن تعمل في ذلك المجال، وهكذا.. ثانيا الخبرة والمهارات والمعلومات اللازمة لتخصصك نفسه، فإذا كانت دراستك أو ميولك تتعلق بالتسويق فحاول أن تكون وظيفتك في هذا الإطار، وإذا كانت تتعلق بالتطوير والبرمجة فحاول أن تكون في ذلك، وهكذا..

– هل الأفضل أن أعمل في شركة عادية صغيرة أو كبيرة أم في مشروع ناشئ سواء startups أو scaleup؟
– 😁

– ؟
– أنت تسأل أسئلة يحتاج كل منها إلى مقال مستقل.. لكن باختصار:
إذا لم تكن قد قررت بعد (أو وصلت إلى قناعة) في أي مجال تود أن تتخصص، ولم تكن لديك ارتباطات مادية كبيرة، وكنت تحب المخاطرة، فاعمل لدى startup.. هذه فرصة جيدة لك للتعرف على العديد من التخصصات ومشاهدة تأثيرها على الشركة، وتكوين أصدقاء جيدين سريعا.. يأتي هذا على حساب عدم الاستقرار وقلة المرتب وأوقات العمل الطويلة.. مع فرصة لتحسين وضعك بشكل جيد إذا كتب للمشروع النجاح والتوسع وكان دورك في المشروع مهمّا..
إذا كنت قد حددت المجال الذي تريد العمل فيه ولا تحب المخاطرة أو كانت لديك ارتباطات مادية فاعمل في شركة لا في مشاريع ناشئة.. هذا أكثر استقرارا وأفضل في التدرج الوظيفي وأفضل في التعلم المتخصص في وظيفتك..
في الوسط تأتي الشركات الناشئة (scaleups)، حيث تكون مستقرة نوعا ما وتكون مستويات المرتبات قد تحسنت.. لكنها لا تكون مستقرة إداريا في الغالب، ولا تكون قد تبنت نظاما نهائيا فيما يخص الموارد البشرية.. وتتعلم فيها مزيجا من التخصص ومن الأنشطة الأخرى..

– ماذا لو قررت أن أغامر الآن وأبدأ مشروعي؟ أقصد أن سنتين أو ثلاثة من عمري في تجربة كهذه ليست أمرا سيئا جدا!
– نظريا هذا صحيح، لكن عمليا علمتنا التجارب أن رائد الأعمال لا يتوقف عن التجربة عند أول مشروع، دائما أتعرف على الشباب بجملة كهذه “أعمل على مشروع كذا كذا وكان لي مشروع سابق أغلقته”..

– أعدك أنني سأتوقف عند فشل أول مشروع! 🤫
– هنا تظهر النقطة الأساسية التي تدور حولها نصيحتي، عندما نكون أمام قرار للاختيار بين بدائل فأفضل ما يمكننا عمله لتسريع العملية وتوضيحها هو أن نبحث عن مساوئ الخيارات بدلا من دراسة محاسنها ومساوئها.. ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث في كل من الوضعين؟

– في حالة الوظيفة أسوأ ما يحدث هو أن أظل طول عمري فيها ولا أنفذ مشروعي، وبالتالي تضيع علي فرصة أن أحقق شيئا كبيرا وأن أكون صاحب عمل وأن أكسب ثروة جيدة!
– صحيح، وأسوأ ما يمكن أن يحدث يعد عامين أو ثلاثة (إذا لم ينجح مشروعك) هو أن تجد صعوبة في الحصول على الوظيفة التي تناسبك، فقد أضعت سنوات اكتسب فيها زملاؤك الخبرات والمعلومات التي ساعدتهم في شق طريقهم الوظيفي، وأصبح من الصعب عليك قبول وظيفة أقل منهم، والبديل أن تجد وظيفة (عامة) تشبه ما كنت تفعله في مشروعك ولكن في مشروع الآخرين هذه المرة، مع احتمال كبير لعدم استمرار المشروع الذي ستلتحق به، مما يعني عدم شعورك بالإنجاز والاستقرار ولا التطور في هذا النوع من الوظائف.

—-

دعواتي بالتوفيق لكل الأصدقاء مهما كانت قراراتهم 🥰