أهمية التوازن بين العمل والراحة work life balance

قياسي

يأس.. قلق.. شكوك حول القدرة على الاستمرار.. أسئلة عن الهوية.. رعب من المستقبل.. أفكار سلبية لا تتوقف.. إرهاق نفسي.. ضغط مستمر.. شعور بالاحتراق الداخلي..

من المناقشات مع مديري الشركات وأصحاب المشاريع والموظفين بدأت ألاحظ سببا مشتركا لهذه الأعراض، ولهذا أصبح من أسئلتي الأساسية التي أطرحها مبكرا:

  • هل تستفيد من الإجازة الأسبوعية بأن تنال قسطا كافيا من الراحة؟

ودائما ما تكون الإجابة مركبة من شقين:

1- عدم وجود وقت للراحة إما للانشغال بالعمل أو مسؤوليات البيت أو الارتباطات المتنوعة، “فمن سيقوم بما هو مطلوب إذا لم أقم به؟”

2- استنكار أن يكون سبب المشاعر السلبية السابقة عضويا/بيولوجيا، إذ يتوقع الشخص أن يرجع السبب إلى الشركة والسوق والتعلم والخبرة وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالعمل!

الجزء الأول من الإجابة يبدو منطقيا، إلا أننا تعلمنا من التجارب الحياتية أن صاحب المشكلة من الصعب أن يراها على حقيقتها وأن يدرك أسبابها وأن يتخيل كيف يمكن أن يكون التغيير إيجابيا إذا جرب طريقة مختلفة.. فهناك العديد ممن نجحوا في تغيير نمط حياتهم (منهم كاتب هذه السطور) واكتشفوا التالي:

أولا: 99% من العمل يمكن أن يؤجل يوما أو يومين، حتى ما يعتبر هاما وحرجا في الوقت كتسليم مشروع لعميل أو إرسال ملفات لمستثمر أو إتمام ميزانية كل هذا من الممكن الاتفاق على تأجيله بطريقة أو بأخرى..

ثانيا: الالتزامات العائلية والمتنوعة من الممكن أن يخصص لها يوم واحد من يومي الإجازة ويترك الآخر ليكون يوم الراحة والاسترخاء وتجديد الصحة..

ثالثا: العمل لا ينتهي! مهما كان ما أنجزته في يومك فهناك المزيد مما يمكن عمله، ولو ظللت في هذه المنطقة فلن تتمكن حتى من النوم، لهذا من الحكمة أن تحصل على الراحة التي يحتاجها جسمك وعقلك ونفسيتك..

رابعا: حتى إذا احتجت إلى العمل في إجازة ما فيمكن أن تعتبر هذا استثناء وتستغل الإجازة التالية، المهم أن تكون الراحة هي الأصل..

أما عن الشق الثاني من الإجابة فقد أثبتت دراسة رائعة في 2016 أن الاستفادة بوقت مناسب للراحة والاسترخاء والتأمل من شأنها أن تفيد الإنسان على الصعيد النفسي والعضوي على حد سواء! حيث وضحت الدراسة تحسن النشاط الإدراكي، والحد من العمليات البيولوجية المرتبطة بالتوتر، وتحسن النشاط الجيني، وتحسن الجهاز المناعي، وزيادة قدرة مقاومة الضغوط، وزيادة معدل الحرق، وتبين أن الأمر كان أفضل لدى المعتادين على نظام الراحة والتأمل، فكانت صحة الخلايا وأداؤها لأنشطتها في مستوى عال..

قبلها أثبتت دراسات متعددة ارتباط التوتر والإرهاق والضغوط المستمرة بأمراض الذاكرة والأمراض النفسية وأمراض القلب والأمراض المزمنة، وتعالت نداءات الباحثين والأطباء والمعالجين النفسيين للتنبيه إلى أهمية التخلص من الضغوط والتوتر..

الأمر أهم من أن نتجاهله ونعتبره ثانويا أو من قبيل الرفاهية، والتعبير النبوي “إن لجسدك عليك حقا” قوي وواضح ومن شأن الانتباه إليه تحسين مستوى الحياة..