جاءني عميل مرة بدراسة جدوى مطبوعة بشكل أنيق، فيها جداول وألوان ورسوم بيانية، ونتيجتها معدل عائد داخلي 34%. سألني رأيي فيها قبل أن يوقّع على استثمار كبير.
قرأتها في نصف ساعة. الرقم كان صحيحاً حسابياً. المعادلات مضبوطة، الجداول مترابطة، لا خطأ رياضي واحد. لكن الرقم كان بلا معنى، لأن الافتراضات التي بُني عليها كانت مُعدَّلة بعناية لتُخرج بالضبط هذه النتيجة.
هذه هي المشكلة الأصعب في هذا المجال. الدراسة المضلِّلة نادراً ما تحتوي على كذب صريح. تحتوي على اختيارات. وكل اختيار منها يبدو مقبولاً بمفرده، لكن مجموعها يقلب النتيجة تماماً.
في السطور التالية أشرح أشهر هذه الاختيارات، ليس لأتهم أحداً، بل لأن صاحب المشروع الذي يعرفها يستطيع أن يسأل عنها ويحمي نفسه.
الحيلة الأولى: معدل خصم منخفض بلا سبب منطقي
هذا أخطرها وأكثرها استخداماً، وأقلها انتباهاً من القارئ.
معدل الخصم هو الرقم الذي يُحوِّل الأرباح المستقبلية إلى قيمتها اليوم. كلما كان أقل، بدت الأرباح المستقبلية أكبر بمقاييس الحاضر، وارتفع صافي القيمة الحالية.
الدراسة التي تستخدم معدل خصم 8% أو 10% في بلد يتجاوز فيه سعر الإقراض التجاري 20% تُنتج نتيجة إيجابية مصطنعة. ومع ذلك، لن يعترض أحد لأن الرقم مكتوب في خانة صغيرة في جدول جانبي، ولا أحد يسأل من أين جاء.
اسأل دائماً: على أي أساس اخترتم هذا المعدل تحديداً؟ إذا لم تجد إجابة مبنية على تكلفة التمويل الفعلية أو العائد البديل المتاح فعلياً، فالنتيجة كلها موضع شك.
الحيلة الثانية: تمديد العمر الافتراضي للمشروع
كل مشروع يُدرَس على عدد سنوات محدد. كلما امتدت هذه المدة، زادت التدفقات النقدية المُحتسَبة، وتحسّن صافي القيمة الحالية.
دراسة تفترض عمراً تشغيلياً عشر سنوات لمشروع في قطاع تتغير فيه التقنية أو أذواق المستهلك كل ثلاث أو أربع سنوات تُبالغ في العائد بشكل جوهري. رأيت دراسات لمشاريع مقاهي تحسب تدفقات مستقرة لعشر سنوات، بينما الواقع أن مقهى في سوق تنافسي يحتاج تجديداً كاملاً وإعادة تموضع خلال خمس سنوات على أبعد تقدير.
الحيلة الثالثة: قيمة إهلاك متضخمة
القيمة الإهلاكية هي القيمة المتبقية للأصول في نهاية عمر المشروع. وضعها مرتفعة يضيف مبلغاً كبيراً في السنة الأخيرة يرفع النتيجة النهائية.
المعدات المستعملة في السوق الحقيقي تُباع بأقل بكثير مما تفترضه بعض الدراسات. فرن مطعم بعد سبع سنوات تشغيل يومي مكثف لا يساوي 40% من قيمته الأصلية كما تكتب بعض الجداول. تجهيزات الديكور والتشطيبات في الغالب لا تساوي شيئاً عند الخروج.
الحيلة الرابعة: تأجيل بنود التكلفة لسنوات لاحقة
بند ضروري يُدفع فعلياً في السنة الأولى يُوضَع في السنة الثالثة، فتتحسن صورة التدفق النقدي في أخطر مرحلة من عمر المشروع.
الصيانة الدورية مثال واضح. بعض الدراسات لا تُدرج أي تكلفة صيانة قبل السنة الثالثة، رغم أن معدات كثيرة تحتاج صيانة من الشهور الأولى للتشغيل. نفس الأمر ينطبق على استبدال المستهلكات، وتجديد التراخيص، والتأمين على الأصول.
الحيلة الخامسة: تجاهل رأس المال العامل أو تقليصه
هذا البند وحده يقتل مشاريع أكثر من أي بند آخر.
رأس المال العامل هو السيولة التي تُشغّل المشروع في الشهور الأولى قبل أن يستقر دخله. دراسة تحسب تكلفة المعدات والتجهيزات بدقة ثم تُخصّص شهراً واحداً فقط كرأس مال عامل تضع صاحب المشروع أمام أزمة سيولة مؤكدة.
القاعدة العملية التي أعمل بها: أي مشروع يحتاج على الأقل ثلاثة إلى ستة أشهر من المصروفات التشغيلية الكاملة كرأس مال عامل، وبعض القطاعات تحتاج أكثر. من يكتب أقل من ذلك يُقلّل التكلفة الاستثمارية على الورق فقط.
الحيلة السادسة: حجم سوق مأخوذ من أعلى لأسفل
الطريقة الأسهل لتضخيم السوق: ابدأ برقم كبير ثم خذ منه نسبة صغيرة تبدو متواضعة.
«عدد سكان المدينة مليونان، لو استهدفنا 2% فقط فهذا أربعون ألف عميل». هذه ليست دراسة سوق، هذه عملية حسابية بلا معنى. النسبة الصغيرة تُوهم بالتحفظ، لكن الرقم الأساسي غير مرتبط أصلاً بالسوق القابل للاستهداف فعلياً في نطاق المشروع الجغرافي.
الطريقة الصحيحة عكسها تماماً: ابدأ من الأسفل. كم شخصاً يمر فعلياً أمام الموقع يومياً؟ كم منهم ضمن الشريحة المستهدفة؟ ما معدل التحويل الواقعي في هذا النوع من النشاط؟ الرقم الناتج من هذا الطريق أصغر بكثير وأقرب للحقيقة.
الحيلة السابعة: سيناريو واحد فقط
الدراسة التي تقدّم رقماً واحداً للإيرادات المتوقعة تُخفي أهم معلومة يحتاجها صاحب القرار: ما هامش الأمان؟
الدراسة الجادة تعرض ثلاثة سيناريوهات على الأقل، والأهم فيها هو المتشائم. لأن السؤال الحقيقي ليس «كم سأربح إذا سار كل شيء كما خططت؟» بل «هل أنجو إذا لم يسر كما خططت؟»
غياب السيناريو المتشائم ليس نسياناً في الغالب. هو اختيار.
الحيلة الثامنة: خلط الربح المحاسبي بالتدفق النقدي
هذان شيئان مختلفان تماماً، والخلط بينهما يُنتج صورة مضللة عن قدرة المشروع على الوفاء بالتزاماته.
مشروع قد يُظهر ربحاً محاسبياً جيداً بينما تدفقه النقدي سالب، لأن جزءاً كبيراً من مبيعاته آجل لم يُحصَّل بعد، أو لأن أقساط التمويل تستهلك السيولة رغم أنها لا تُسجَّل كلها كمصروف. الدراسة التي تعرض قائمة دخل جميلة دون قائمة تدفقات نقدية تفصيلية تُخفي هذه المشكلة.
الحيلة التاسعة: تجاهل الضريبة أو حسابها بنسبة عامة
بعض الدراسات تحسب صافي الربح قبل الضريبة وتقدّمه كأنه العائد المتاح للمستثمر. وبعضها يستخدم نسبة ضريبية عامة لا تعكس الشريحة الفعلية المُطبَّقة على حجم أرباح هذا المشروع تحديداً في هذا البلد.
الفارق بين الربح قبل الضريبة وبعدها قد يصل إلى ربع القيمة أو أكثر. تجاهله ليس تفصيلاً صغيراً.
الحيلة العاشرة: منافسون في سطر واحد
«يوجد عدد من المنافسين في المنطقة». هذه الجملة موجودة في مئات الدراسات، ولا تعني شيئاً.
تحليل المنافسة الحقيقي يذكر منافسين بأسمائهم ومواقعهم وأسعارهم وأوقات ذروتهم وتقدير حصصهم. وأهم من ذلك، يجيب عن سؤال لا تطرحه الدراسات المجمَّلة أبداً: ماذا سيفعل هؤلاء عندما يدخل منافس جديد؟ هل يملكون قدرة على خفض أسعارهم لفترة كافية لإخراجك من السوق؟
كيف تحمي نفسك عملياً
اسأل عن مصدر كل رقم رئيسي. الأرقام التي لا مصدر لها هي تقديرات، والتقديرات التي لا أساس لها هي تمنّيات.
اطلب معدل الخصم وسبب اختياره تحديداً.
اطلب السيناريو المتشائم صراحة، وإذا لم يكن موجوداً فاطلب إعداده.
راجع بند رأس المال العامل بنفسك واسأل: هل يكفي هذا المبلغ لتشغيل المشروع ستة أشهر بلا أي إيراد؟
اطلب أسماء المنافسين الفعليين، لا وصفاً عاماً لهم.
واسأل سؤالاً واحداً مباشراً في النهاية: ما الظروف التي يفشل فيها هذا المشروع؟ من يُعدّ دراسة أمينة يملك إجابة جاهزة عن هذا السؤال. ومن يبيع تطميناً سيرتبك.
كلمة أخيرة
لست أقول إن كل من يُعدّ دراسة جدوى يتعمّد التضليل. كثير من هذه الأخطاء يقع بحسن نية، من ضغط العميل الذي يريد نتيجة إيجابية، أو من الاعتماد على نماذج سابقة دون مراجعة افتراضاتها.
لكن النتيجة واحدة على أي حال: صاحب المشروع يضع ماله بناءً على صورة غير حقيقية. والدراسة التي كان يُفترض أن تحميه تصبح هي نفسها سبب ثقته الزائدة.
في مكتب خضر وبزنس، أول ما نتفق عليه مع العميل قبل بدء أي دراسة هو أننا قد نصل إلى نتيجة لا تعجبه. هذا الاتفاق المسبق هو ما يجعل النتيجة، أياً كانت، تستحق الثقة.