متى تكون دراسة الجدوى مضيعة للمال؟

من الغريب أن يكتب مكتب استشاري مقالاً يقول فيه إن خدمته ليست ضرورية أحياناً. لكن المصداقية تقتضي هذا، ولأنني رأيت عملاء دفعوا مقابل دراسات لم يكونوا يحتاجونها فعلاً، أو احتاجوا شيئاً آخر تماماً.

هذه الحالات التي أنصح فيها بعدم إعداد دراسة جدوى كاملة.

حين يكون القرار متخذاً بالفعل

إذا كنت قد قررت تنفيذ المشروع مهما كانت النتيجة، فأنت لا تحتاج دراسة جدوى. تحتاج خطة عمل.

دراسة الجدوى أداة قرار، وقيمتها في احتمال أن تقول لك «لا». فإذا كنت لن تتراجع في أي حال، فالمال المدفوع فيها يذهب لتوثيق قرار اتخذته، لا لاختباره.

في هذه الحالة الأفضل توجيه الميزانية إلى خطة تشغيلية تفصيلية تساعدك على التنفيذ بشكل أفضل، وهذا احتياج مختلف تماماً.

حين يكون رأس المال صغيراً جداً

مشروع برأس مال محدود جداً لا يحتمل تكلفة دراسة احترافية تلتهم نسبة كبيرة من ميزانيته.

القاعدة العملية: إذا كانت تكلفة الدراسة تتجاوز نسبة معتبرة من رأس مال المشروع، فالمعادلة غير منطقية. في هذه الحالة الأفضل بحث ميداني تقوم به بنفسك: قف أمام المواقع المحتملة، اسأل المنافسين، احسب تكاليفك بدقة، واختبر الفكرة على نطاق مصغّر قبل التوسع.

استشارة قصيرة موجهة لمراجعة أرقامك قد تكون أنسب بكثير من دراسة كاملة.

حين تكون الفكرة نفسها غير قابلة للتنفيذ قانونياً

قبل أي دراسة جدوى، تحقق من أن النشاط مسموح به أصلاً في هذا البلد وهذه المنطقة، وأن الترخيص متاح لك بصفتك.

رأيت من دفع مقابل دراسة كاملة ثم اكتشف أن النشاط يحتاج ترخيصاً لا يمكنه الحصول عليه، أو أن المنطقة التي اختارها محظور فيها هذا النوع من الأنشطة.

الفحص القانوني الأولي خطوة سريعة ورخيصة، ويجب أن تسبق أي إنفاق على دراسة.

حين تكون الفكرة غير محددة بعد

دراسة الجدوى تُدرس مشروعاً محدداً في موقع محدد بنموذج عمل محدد. من يأتي بفكرة عامة غير مبلورة يطلب شيئاً لا يمكن دراسته.

«أريد أن أستثمر في مجال المطاعم» ليست فكرة قابلة للدراسة. «مطعم يقدم هذا النوع من الطعام في هذا الموقع بهذه الأسعار لهذه الشريحة» فكرة قابلة للدراسة.

في المرحلة الأولى، ما تحتاجه استشارة لبلورة الفكرة أو دراسة أولية سريعة للمفاضلة بين خيارات، لا دراسة تفصيلية كاملة.

حين تكون خبيراً في القطاع بالفعل

من عمل في قطاع معين لسنوات طويلة يملك معرفة حقيقية بتكاليفه وهوامشه وسلوك عملائه.

لكن هذا الاستثناء مشروط: خبرتك تُغني عن الجزء الفني والتشغيلي، لا عن دراسة الموقع الجديد تحديداً ولا عن التحليل المالي المنهجي. صاحب مطعم ناجح يفتح فرعاً ثانياً يعرف تكاليفه جيداً، لكنه لا يعرف بالضرورة أن الموقع الجديد يختلف في نمط الحركة عن الأول.

الأنسب هنا دراسة جزئية تُركّز على ما لا تعرفه، لا دراسة كاملة تُعيد عليك ما تعرفه أصلاً.

حين يكون المشروع تجربة قابلة للاختبار برخص

بعض المشاريع، خاصة الرقمية والخدمية، يمكن اختبارها فعلياً بتكلفة أقل من تكلفة دراستها.

بدل دراسة تفترض إقبالاً معيناً، أطلق نسخة مصغرة واختبر الطلب الحقيقي. البيانات الناتجة من تجربة فعلية أقوى من أي تقدير نظري.

القاعدة: إذا كان اختبار الفكرة أرخص من دراستها، فاختبرها.

حين لا يمكن الحصول على بيانات موثوقة أصلاً

بعض الأسواق تفتقر لأي بيانات يمكن البناء عليها: قطاع جديد بالكامل، أو منتج لا مثيل له، أو سوق غير منظم لا تتوفر عنه معلومات.

الدراسة في هذه الحالة ستكون مبنية على افتراضات كثيرة، وستُعطي وهم الدقة دون أساس حقيقي. الأصدق أن يُقال للعميل صراحة إن ما يمكن تقديمه هو تحليل للمخاطر والافتراضات، لا تقدير دقيق للجدوى.

حين يكون الغرض الحقيقي إقناع طرف آخر بقرار خاطئ

أحياناً يأتي عميل يريد دراسة لإقناع شريك متردد أو لتبرير قرار أمام مجلس إدارة.

إذا كان الهدف الحصول على وثيقة تدعم موقفاً، لا على تقييم حقيقي، فالمال يُنفق في غير محله. والأسوأ أن الشريك المتردد قد يكون على حق، والدراسة المُجمَّلة ستدفع الجميع نحو خسارة.

ما البديل في هذه الحالات؟

في معظم ما سبق، البديل ليس اللاشيء. هو خدمة أخرى أنسب:

  • استشارة قصيرة لمراجعة أرقامك وافتراضاتك.
  • دراسة أولية سريعة للمفاضلة بين عدة خيارات قبل التعمق في واحد.
  • فحص قانوني وتنظيمي للتأكد من إمكانية التنفيذ.
  • مراجعة مستقلة لدراسة أعددتها بنفسك أو أعدها غيرك.
  • تحليل مالي مركّز على بند واحد إشكالي دون دراسة كاملة.

الخلاصة

دراسة الجدوى أداة قوية في موضعها الصحيح، وإنفاق في غير محله خارجه.

والمستشار الذي يبيعها للجميع في كل الحالات لا يخدم عملاءه، بل يخدم فاتورته. والأمانة المهنية تقتضي أحياناً أن تقول للعميل: ما تحتاجه ليس ما جئت تطلبه.

في مكتب خضر وبزنس، الجلسة الأولى مع أي عميل هدفها تحديد ما يحتاجه فعلاً، وقد تنتهي بتوصية بخدمة أصغر أو بلا خدمة على الإطلاق. لأن العميل الذي نصحناه بصدق مرة يعود حين يحتاج فعلاً.

للحصول على دعم متخصص في هذا الموضوع تواصل معي: