من أكثر المواقف التي رأيتها في مسيرة ثلاثين سنة: شريكان يريدان الانفصال، ويتفقان على كل شيء إلا شيئاً واحداً — قيمة الشركة.
الأول يقول: “الشركة تساوي مليون.” الثاني يقول: “لا، تساوي خمسة ملايين.” الأول يقول: “طيب، ندخل خبيراً يُقيّم.” الثاني يقول: “موافق. لكن من يختار الخبير؟”
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. كل طرف يشك في خبير الطرف الآخر. وإذا اتفقا على خبير محايد، أحدهما لن يقبل نتيجته إذا جاءت بعيدة عمّا يتوقعه. والخبراء أنفسهم — مهما كانوا مهنيين — يصلون أحياناً إلى أرقام مختلفة لنفس الشركة لأن التقييم فيه هامش واسع من الاجتهاد.
الحل الذي سأتحدث عنه اليوم يقطع هذه الدوامة من جذرها. ليس اختراعاً حديثاً — هو آلية معروفة في عالم الأعمال بأسماء مختلفة، لكنني أُحب أن أُسمّيها بالاسم الذي يُعبّر عنها بدقة: واحد يُقيّم والثاني يختار.
الفكرة في جملة واحدة
يُقيّم أحد الشريكين الشركة بالرقم الذي يراه عادلاً. ثم يختار الشريك الآخر: إمّا أن يشتري بهذا التقييم، أو يبيع على أساسه. والشريك المُقيّم لا يعلم مسبقاً أيّ الدورين سيختار الآخر.
هذه الجملة تحمل في طيّاتها عبقرية بسيطة تحتاج تأملاً.
لماذا أوصي بهذه الآلية؟
السبب العميق لنجاح هذه الآلية هو أنها تُحلّ مشكلة التحيّز من جذرها، لا من أعراضها.
حين يُقيّم شريك شركة وهو يعلم أنه سيبيع — سيُقيّمها بأعلى رقم ممكن. يريد أكثر ما يستطيع. وحين يُقيّمها وهو يعلم أنه سيشتري — سيُقيّمها بأقل رقم ممكن. يريد أن يدفع أقل ما يمكن.
كلا التقييمين متحيّزان لأن المُقيّم يعرف مسبقاً دوره.
أما في آلية “واحد يُقيّم والثاني يختار” — فالمُقيّم لا يعرف هل سيشتري أم سيبيع. الشريك الآخر هو من سيختار. وهذا الغموض يُجبر المُقيّم على شيء نادر: أن يكون عادلاً.
إذا قيّم بأعلى من القيمة الحقيقية — خطر أن يُضطر للشراء بسعر مبالغ فيه. وإذا قيّم بأقل من القيمة الحقيقية — خطر أن يبيع بأقل مما تستحق حصته.
المنطق يُجبره على الاقتراب من الرقم العادل. ليس لأنه نبيل بطبعه، بل لأن مصلحته الشخصية تقتضي ذلك.
تطبيق الآلية عملياً
الصورة النظرية جميلة. لكن كيف تُطبَّق فعلياً؟
الخطوة الأولى: الاتفاق على الآلية قبل التطبيق
قبل أن يبدأ أي طرف في التقييم، يجب أن يتفق الطرفان كتابةً على أنهما يقبلان هذه الآلية وملزمان بنتيجتها. هذا الاتفاق المسبق هو ما يُعطي الآلية قوتها. إذا لم يُوقَّع عليه أولاً، فكل طرف قد يتراجع بعد أن يرى التقييم إذا لم يُعجبه.
الخطوة الثانية: تحديد من يُقيّم أولاً
يُتفق على من يتولى دور المُقيّم. هذا يمكن أن يُحدَّد باتفاق مباشر، أو بالقرعة، أو بأن يُقيّم كل طرف شركته ويُقدّم تقييمه مختوماً في نفس الوقت — وهو ما سأشرحه لاحقاً في النسخة المُطوّرة من الآلية.
الخطوة الثالثة: إعداد التقييم
المُقيّم يُعدّ تقييمه. يمكن أن يستعين بخبير من اختياره، أو يعتمد على تحليله الخاص. المهم أن الرقم النهائي ملزم له. يُقدّمه مكتوباً موقّعاً.
الخطوة الرابعة: الاختيار
الطرف الآخر يُطّلع على التقييم ويملك مدة محددة — يوم، ثلاثة أيام، أسبوع، يُتفق عليها مسبقاً — ليختار: هل يشتري حصة شريكه بهذا التقييم، أم يبيع حصته له بنفس التقييم؟
لا مجال للتفاوض على الرقم. لا مجال للتأجيل. الاختيار بين أمرين لا ثالث لهما، في المدة المتفق عليها.
الخطوة الخامسة: التنفيذ
بمجرد صدور الاختيار، تبدأ إجراءات التنفيذ وفق ما يُحدده عقد التخارج من مواعيد ودفعات وضمانات.
النسخة المُطوّرة: كلاهما يُقيّم في آنٍ واحد
ثمة نسخة أكثر نضجاً من هذه الآلية تُستخدم حين لا يتفق الطرفان على من يُقيّم أولاً، أو حين يريد كل منهما أن يضع رقمه دون أن يتأثر برقم الآخر.
يُعدّ كل شريك تقييمه للشركة بشكل سري ومستقل. ثم يُقدّمان تقييميهما مختومين في نفس اللحظة — أمام شخص محايد أو موثّق.
هنا القاعدة:
- من وضع الرقم الأعلى يكون مُلزَماً بالشراء بهذا الرقم.
- من وضع الرقم الأقل يكون البائع بالسعر الذي وضعه المشتري.
المنطق نفسه يعمل هنا — بل يعمل بشكل أحكم. كل شريك يضع الرقم الذي يعتقد صادقاً أنه عادل، لأنه لا يعلم أيّ الدورين سيقع عليه. إذا بالغ في رفع رقمه — سيُلزَم بالشراء بسعر مبالغ فيه. وإذا بالغ في خفضه — سيكتشف أن شريكه وضع رقماً أعلى وسيشتري منه بسعر أقل مما كان يريد.
هذه النسخة تُوجد ضغطاً متبادلاً يدفع كلا الطرفين نحو التقييم العادل.
متى تصلح هذه الآلية ومتى لا تصلح؟
هذه الآلية ليست حلاً سحرياً لكل حالات فض الشراكة. لها شروط تجعلها تعمل، وظروف تجعلها تفشل.
تصلح حين:
يكون الطرفان في وضع متكافئ من حيث القدرة المالية على الشراء. لأن الآلية تفترض أن أي طرف قادر مبدئياً على الشراء إذا اختار ذلك. إذا كان أحد الطرفين يعلم مسبقاً أنه لا يملك القدرة المالية، سيضع رقماً مرتفعاً جداً لأنه يريد البيع ويعلم أن الآخر سيضطر للشراء — وهذا يُفسد الآلية.
وتصلح حين يكون الطرفان يفهمان الشركة بشكل متقارب. إذا كان أحدهما يعرف معلومات داخلية لا يعرفها الآخر — أرباح مخفية، عقود قادمة، مشاكل مستترة — فهذا التفاوت في المعلومات يُعطي أحدهما ميزة غير عادلة.
وتصلح حين تكون الشركة ذات أصول قابلة للتقييم النسبي. الشركات التي لها قوائم مالية واضحة وأصول ملموسة وتاريخ ربحي يمكن قياسه.
لا تصلح بشكل جيد حين:
يكون هناك فارق كبير في الملاءة المالية بين الشريكين. أو حين تكون الشركة في مرحلة تحوّل كبير يجعل تقييمها رهيناً بمعلومات يملكها أحدهما دون الآخر. أو حين يكون الخلاف بين الشريكين قد بلغ حد انعدام الثقة الكامل مما يجعل تطبيق الآلية بحسن نية أمراً مشكوكاً فيه.
الفخ الذي يجب الانتباه إليه
أكثر خطأ يقع فيه من يطبّق هذه الآلية للمرة الأولى: عدم تحديد القيود المالية مسبقاً.
قد يُقيّم الشريك الأول الشركة برقم خيالي — ليس لأنه يعتقد أنها تستحق هذا فعلاً، بل لأنه يعلم أن شريكه لن يستطيع الشراء بهذا الرقم، فسيضطر للبيع بسعر مبالغ فيه.
الحل: أن يُشترط في الاتفاق المسبق أن يُثبت كل طرف قدرته المالية على الشراء قبل أن تبدأ الآلية. أو يُتفق على سقف وأرضية للتقييم استناداً إلى مؤشرات موضوعية. أو يُشترط أن يكون التقييم مبنياً على منهجية معيّنة — مضاعف الأرباح، أو صافي الأصول، أو غيرها.
هذه القيود لا تُلغي عدالة الآلية — تُعزّزها.
ماذا يحدث إذا اختار كلاهما نفس الدور؟
سؤال يطرحه كثيرون: وإذا قرّر الطرفان كلاهما الشراء — أو كلاهما البيع؟
في النسخة الأولى من الآلية — حيث يُقيّم أحدهما ويختار الآخر — لا يوجد هذا الإشكال. المُقيّم لا يختار، الآخر هو من يختار.
لكن في النسخة المُطوّرة — حيث يُقيّم الاثنان في آنٍ واحد — يحل الرقم نفسه المشكلة: الأعلى رقماً هو المشتري دائماً. لا يوجد تعادل لأن احتمال تطابق الرقمين تماماً ضئيل جداً، وإذا حدث يُتفق مسبقاً على آلية كسر التعادل — قرعة، أو من قدّم تقييمه أولاً.
وبشكل عام فإذا ظهر أن كليهما يريد الشراء على هذا السعر فإنهما يبدآن في المزايدة سواء في السعر أو في شروط السداد.
ممارستان ممنوعتان
من بين المرات التي أشرفت فيها على استخدام هذه الطريقة لتسهيل فض الشراكة كانت هناك مرتان لا أنساهما، وكلاهما خطأ يظهر بدافع الفهم الخاطئ أو غلبة المشاعر أو الطمع، الممارستان هما:
تحديد سعرين للمعاملة نفسها، بأن يقول الشريك لشريكه إذا اشتريت أنت مني فتشتري على مليون، وإذا اشتريت أنا منك فأشتري على نصف مليون. وهذا غير عادل، فيجب الاتفاق على سعر للشركة تكون فرص الشريكين عنده واحدة.
الإصرار على الاستعانة بمقيم خارجي رغم رغبة الشريكين في الشراء وعرض أحدهما سعرا محددا على الآخر يمكنه أن يشتري أو يبيع عليه، وهذا الإصرار خاطئ لسببين: الأول أن التقييم غير ملزم لمن يريد أن يبيع، والثاني أنه إذا كان السعر المعروض على الشريك الرافض أقل من سعر التقييم المتوقع فليستفد منه بأن يشتري هو، وإن كان مرتفعا فليستفد من مكسبه الإضافي بأن يبيع!
توثيق الآلية في العقد
هذه الآلية مهما كانت ذكية، إذا لم تُوثَّق في العقد بدقة تُصبح مثار جدل لا حلاً له.
عقد التخارج الذي يعتمد هذه الآلية يجب أن يُحدد صراحةً: من يُقيّم في أي ترتيب، المدة الزمنية للاختيار، القيود على منهجية التقييم إن وُجدت، ماذا يحدث إذا رفض أحدهما تنفيذ الاختيار، وآلية السداد والضمانات بعد صدور الاختيار.
التوثيق الدقيق هو ما يحوّل هذه الآلية من فكرة ذكية إلى أداة قانونية محكمة.
كثيراً ما أجلس مع شريكين يُنفقان أشهراً في التقاطع حول رقم، وحين أشرح لهما هذه الآلية يتوقفان لحظة ثم يقول أحدهما: “هذا منطقي. ليش ما فكّرنا فيه من البداية؟”
لأن الحلول البسيطة في مشاكل الشراكة نادراً ما يصل إليها من هو داخل المشكلة.