بعد كل هذه التضحية يصبح موظف جديد مديرا لي؟!

قياسي

أثناء نمو الشركات من المراحل الأولى ودخولها في طور الشركات النامية مع طريقة عمل مستقرة ودخل شهري متزايد تواجه مشاكل وتحديات جديدة تتناسب مع المرحلة وتختلف عما مرت به من قبل، على رأس هذه التحديات الموقف الذي يستدعي السؤال السابق، إذ يتبين للشركة أن أحد المديرين لا يمكن الاعتماد عليه في الفترة القادمة، إما لأن خبرته تبين أنها غير كافية وتنقصه أدوات هامة، أو لأنه لا يدير/يتعامل مع فريق العمل -الصغير حتى الآن- بطريقة مناسبة، أو لأن رؤيته محدودة وقاصرة على الوضع الحالي دون القدرة على استشراف ما سيأتي من تغيرات وتطورات في مجال المشروع وفي مجال تخصص هذا الشخص نفسه.

تزيد المشكلة من تعقيدها عندما يكون هذا المدير من الشركاء المؤسسين، ممن أنشأوا هذه الشركة وتعبوا من أجلها، وعملوا دون مقابل مادي لفترة من الزمن، وناموا واستيقظوا على أحلام نجاحها، فأصبح من الصعب جدا الاستغناء عنه أو حتى إغضابه بالذات والشركة الآن تكبر وأوشكت على جني ثمار كل هذا التعب وكل هذه التضحيات.

يصبح الوضع أكثر توترا -وحرجا- عندما يضطر مؤسس الشركة أو مديرها إلى التحدث إلى ذلك المدير بصراحة ومحاولة إقناعه بالتعلم، سواء عن طريق دورة تعليمية من مؤسسة علمية في البلد أو دورة تعليمية اون لاين أو حتى دروس متفرقة على الإنترنت، فيتضح أن هذا الأخير بطيء التعلم أو غير مؤسس علميا بشكل يسمح له بتقبل ما يتعلمه أو لا يملك الوقت الكافي لذلك أو يتصور أنه يعرف كل شيء ولا يجد مبررا لهذا الطلب.

الحل السابق -بالمناسبة- هو الحل المثالي للمشكلة، بشرط أن يقتنع الشخص بأهمية التعلم له وللشركة، وأن يكون قادرا على ذلك، وأن يكون لدى الشركة وقت كاف لانتظاره ريثما يتعلم ويطبق ما تعلمه ليتحول لديه إلى علم تطبيقي وخبرة فتستفيد الشركة منه، بهذا ستظل العلاقات داخل الشركة صحية، ويظل الشخص قادرا على العطاء، ويتطور ليفيد شركته بشكل أفضل. أما إذا لم يكن ذلك متاحا -وغالبا ما يكون هذا هو الوضع- فسنصل إلى النقطة التالية.

لحظة.. لماذا قلت إنه غالبا ما يكون هذا هو الوضع؟ أقصد عدم إمكانية تطبيق حل أن يتعلم الشخص الحالي ويفيد الشركة في المرحلة التالية؟ سأعود إلى ذلك في نهاية الموضوع لأنه أمر منفصل.

الحلول بالترتيب

1- كان الحل المثالي هو أن يقوم الشخص بالتعلم وتطوير معرفته وخبراته ليكون قادرا على تولي المسؤولية المطلوبة في الفترة القادمة.

2- إذا كان هناك شخص آخر في الشركة يتمتع بالمعرفة والخبرة لتولي المهام المطلوبة فهذا حل ممتاز، هو الأفضل بالنسبة للشركة لأنه سيكون على دراية بظروفها ومعلوماتها وطريقة عملها وزملائه ومديريه، مما يعني عدم تضييع وقت في تعارف واحتكاكات نتيجة اختلاف طرق العمل والطباع، وهو -في الوقت ذاته- الأصعب في التنفيذ لأنه أكثر ما يثير حفيظة المدير الحالي ويحتاج إلى مجهود مستمر في الإقناع وفي حل المشاكل التي ستترتب على القرار، خاصة إذا كان الشخص يعمل تحت إدارته حاليا!

الطريقة التقليدية في محاولة عقد اجتماعات لتسويق قرار مثل هذا لا تكون ناجحة تماما، حيث يترك هذا القرار أثرا لا عند المدير المعني فحسب بل عند غيره من المديرين الذين سيعتبرون ما حدث سابقة تفتح المجال لقرارات شبيهة تخص كلا منهم. لهذا من الضروري جدا أن تكون كل خطوة محسوبة قدر الإمكان.

أسهل طريقة لإقناع ذلك المدير (وغيره) بالقرار وعدم إثارة حفيظته هي منح الشخص المرشح للمنصب دورة تدريبية معروفة، أو حتى عدة دورات، بهذا تصبح له أحقية المنصب (authority) الناتجة عن الشهادات العلمية المكتسبة (تذكر عندما تدخل إلى طبيب فتجد شهاداته معلقة، ومن بينها شهادة من جامعة أجنبية)، إذ يقوم العقل بترجمة الشهادات العلمية إلى قدرة وظيفية وخبرة متخصصة، ويتقبل بسهولة ما لم يكن ليتقبله بطريقة أخرى.

بالتزامن مع ذلك يتم طمأنة المدير الحالي بأن لقبه في الشركة ووضعه لن يتغيرا، وأن الشخص الجديد سيكون له لقب جديد، وهذا ليس صعبا، إذ يمكن استخدام الألقاب التالية بالتبادل دون مشكلة: X Manager – X Director – VP for X – CXO (حرف الإكس يمكنه أن يكون أي شيء كالتسويق والتشغيل والتقنية الخ)، صحيح أن بينها فروقات لكن في مراحل الشركات التي نتحدث عنها وفي كثير من شركاتنا العربية لا فرق كبير.

3- توظيف شخص من خارج الشركة، هذا الحل جيد جدا للشركة وأحيانا يكون هو بالضبط ما تحتاجه الشركة للتطور والنمو، إذ يمنح التوظيف من خارج الشركة فرصة لفكر مختلف ولرؤية ناتجة عن مشاهدات وخبرات تختلف عن تلك الموجودة داخل الشركة مما يوفر لها الاحتكاك المطلوب بالعالم الخارجي، ويكون القرار في هذه الحالة أسهل في التسويق للمدير الحالي، يساهم في ذلك شهادات الشخص العلمية -كما في الحل السابق- وشهرة الأماكن التي عمل بها من قبل، إذ يكون الانطباع عن شخص عمل في شركة مثل مايكروسوفت أو فايزر أو أرامكس أنه سينقل كل الأنشطة التي تحدث هناك إلى هذه الشركة (مع ما في ذلك من المبالغة)، فيصبح من العادي أن يتقبل الناس هذا القرار.

تنطبق نقطة الاحتفاظ باللقب تماما كما في الحل السابق.

4- تعهيد المسؤولية إلى شركة أخرى. إذا لم تكن المهمة المطلوبة هي المهمة الأساسية التي تمس المنتج أو الخدمة التي تقدمها الشركة فهناك حل يرفع الحرج عن الشركاء والمديرين ومن شأنه أن يفيد الشركة مع تكليفها مقابلا ماديا أكبر وهو الاستعانة بشركة تقدم المهام المطلوبة، ونرى هذا كثيرا في مجالات مثل التسويق الإلكتروني، وإنشاء التطبيقات ونظم التشغيل، والشحن والتوصيل. في هذا الحل يجب أن تكون الشركة المختارة ذات خبرة وسمعة طيبتين، إذ سيكون مطلوبا منها المشاركة بالاقتراحات وبالتوقعات لمجال عملها بحيث يكتسب منها المدير الحالي خبرة تدريجية ومعرفة متزايدة أثناء عمله كمنسق ومراجع للعمل معها.

ماذا إذا لم ينفع الإقناع؟

نظرا لاختلاف أفهام الناس ودوافعهم ومخاوفهم وتفسيراتهم للأمور قد يحدث ألا يقتنع المدير الحالي رغم كل شيء، في هذه الحالة لا يكون هناك مفر من التخارج القسري، حيث يتم الاتفاق معه على أن يحتفظ بحصته في الشركة حسب المدة التي قضاها (إذا كان هناك اتفاق على vesting) وتعتذر له الشركة عن عدم استمراره.

أخطاء شائعة

عدم الاهتمام بتسويق القرار للمديرين وحتى الموظفين الحاليين، سياسة فرض الأمر الواقع ليست شيئا يمكن عمله وتكراره خاصة مع الجيل الحالي من الموظفين (هناك موضوع سابق عن مواصفات الجيل الحالي)، وقد يؤدي إلى تحزّب وإلى معلومات خاطئة متزايدة وإلى فقدان للروح المطلوبة وربما مغادرة الشركة.

ترك المدير الجديد دون دعم، إذ يُفترض أن لديه الخبرة في التعامل مع الناس وفي ملء منصبه وبالتالي لا يكون للإدارة دور في دعمه بإقناع الموظفين بدوره وبقراراته وبحل مشاكله في الفترة الأولى مع الناس، فتكون النتيجة ضعف موقفه وعدم تمكنه من تنفيذ خطته لانشغاله بحل مشاكله الشخصية.

الدعم المبالغ فيه للمدير الجديد، لدرجة إعطائه مصداقية أكبر من تلك المعطاة لغيره ممن يعملون في الشركة قبله، وهذا من أكثر ما يمكن أن يحبط من بالشركة ويتسبب في نتائج مؤسفة.

اختيار مقدم خدمة سيئا، مما يتسبب في عرقلة تقديم الخدمة أو المنتج بشكل مناسب للعميل وبالتالي التـأثير على مبيعات وسمعة الشركة نفسها.

الوقاية خير من العلاج

عند اختيار الشريك يجب أن تضع بعض العوامل التي يتم الاختيار على أساسها، ويختلف ذلك باختلاف الدور المطلوب منه، بهذه الطريقة لا يكون توجهك في الاختيار منحصرا على دائرة الأصدقاء فقط وإنما تبدأ في تخطيها إلى دوائر أوسع. من أشهر أسباب المشكلة الحالية اختيار مسؤولي المهام (الشركاء المؤسسين) من الزملاء حديثي التخرج ممن لديهم الحماس والرغبة في التعلم لكن بدون المعلومات الكافية أو الخبرة المطلوبة، يبدأ المشروع ويتمكنون من التعلم بالقراءة وبالتجربة لكن هذا يقف عند حد معين، وتظهر تحديات لا يمكن تخطيها بنفس المستوى من التعلم ونفس الخبرة المحددة بمكان معين وظروف معينة.

عند الاتفاق وتأسيس الشركة لا ينبغي أن تكون الألقاب مبالغا فيها إلا إذا كانت مستحقة، فلا ينبغي لمدير تسويق أن يكون CMO إلا إذا كانت لديه خبرة حقيقية ومناسبة لذلك، أما إذا كانت خبرته عبارة عن سنة في شركة ناشئة أو كان حديث التخرج فلقب Marketing Officer أو Marketing Coordinator كاف تماما.

المصارحة والشفافية هامة جدا لاستباق القرارات المهمة، ما دام الموظفون على علم بوضع الشركة ومدى تمكنها من الوصول إلى ما تسعى إليه فلن يكون من الصعب إقناعهم بقرار يتسق مع ذلك الوضع ومع الإمكانيات المتاحة.

شارك الموضوع

اترك تعليقاً