من أسوأ 24 ساعة في حياتي الى افضل 24 سنة!

قياسي

او: عقلية الوفرة وعقلية الندرة

لازلت اتذكر الساعات الاربعة والعشرين التي قضيتها في أسوأ حالة نفسية مرت علي في حياتي (منذ 24 سنة) وكأنها حدثت أمس.. كنت في السنة الثانية في الكلية، وكان العام السابق لها عام تفوق في المسابقات الثقافية على مستوى الكلية والجامعة بالنسبة لي. فاستعنت بالله وكونت -كالعادة- فريقا من دفعتي للمشاركة في مسابقة الكلية للمعلومات العامة، وفي اولى المنافسات خسرنا وخرجنا! بهذه البساطة! كانت صدمة رهيبة لي.. عدت الى المنزل مشيا، تائه الفكر فاقد التركيز، لم اتناول طعاما في المنزل، اغلقت باب الغرفة وانخرطت في البكاء، فقدت كل الاشياء الوانها، وساد الشحوب كل شيء، ووصلت الى مراحل صعوبة التنفس وكراهية العيش.. حاولت امي التدخل عدة مرات حتى أخبرتها في النهاية بما حدث، لم تفهم كيف من الممكن ان يسبب لي شيء هين كهذا ازمة كبيرة كهذه، ولكن عندما استمر الامر لليوم التالي شجعتني على ان استشير خالي، وخالي استاذ في علم الاجتماع وله كتابات ونظريات عدة، فجلست اليه وقصصت عليه ما حدث وحاولت قدر الامكان ان اعبر له عما اشعر به من مشاعر سيئة لم اشعر بها من قبل..

استمع الي جيدا ثم ابتسم وقال لي بهدوء: من اخبرك انك يجب ان تكون فائزا طول الوقت؟ من قال ان المركز الاول محجوز لك؟ الحياة لا تسير بهذه الطريقة، ستكون الاول مرة وتصبح الثاني مرة اخرى وتخرج من المسابقة مرة ثالثة، وتنال فرصتك للتعويض في هذا الشيء او في شيء آخر.. انت لست وحدك في هذا العالم، ولست بارعا في كل شيء، هناك اشياء انت متميز فيها وسيهنئك الآخرون عليها، واشياء اخرى غيرك متميز فيها ودورك ان تهنئه عليها.. كما ان الكون لا يتمحور حولك فقط، اجتهد وقم بما ينبغي عليك القيام به ولا تلق بالا للنتيجة.

خلال ساعات من محاولة استيعاب النصيحة بدأت لحظة التنوير تظهر تدريجيا، وخلال الايام التالية تحسنت حالتي النفسية كثيرا.. الا ان الاهم هو ان لحظة التنوير كشفت لي ان تلك الازمة كانت الجزء الظاهر من الجبل فحسب، اما في اغوار النفس فهناك الجزء الاكبر.. المرعب.. بدأت اراجع تصرفاتي شيئا فشيئا في ضوء الفهم الجديد.. وكانت مجزرة نفسية.. مما اكتشفته -على سبيل المثال-:

كنت اذا قام احد بعمل جيد لم تقع عيني فيه (او اذني) الا على عيوبه، كنت انتقد وارى العيوب بشكل تلقائي دون بذل مجهود، ولا اهتم بنقاط التميز والجمال في العمل، ولا اثني عليه..
كنت اذا تفوق علي احد في الدراسة شعرت بشعور سيء، ولم اشعر تجاهه بأي قدر من السعادة او التهنئة، فقط بالغيرة والتعاسة لانني لم اكن المتفوق..
كنت اذا تعلمت شيئا حرصت على الا اعلمه لغيري، واحتفظت به لنفسي، لانه مصدر تميز وتفوق لي..
كنت احب ان اسمع كلمات الاعجاب من الاخرين دون ان اقولها انا لغيري، بل لم اكن اشعر بالامتنان الكبير للآخرين اذا قدموا لي شيئا! كنت اشعر انني استحق كل خير..
بل كنت اتعجب اذا رأيت شخصا متفوقا يمدح غيره وبالذات اذا كان ذلك في مسابقة او في نتائج الامتحانات..
كنت اتكلم اكثر مما اسمع..
كنت تنافسيا.. جدا..
كنت اذا دخلت في نقاش مع احد لم اكن اسمعه جيدا، كان كل ما يهمني هو ان يقتنع برأيي او ان اتمكن من فرض رأيي..
كنت اذا كانت هناك اقتراحات لعمل شيء ما بطريقة ما واختار الاخرون طريقة غير طريقتي اخترت ان انفذ طريقتي رغم كل شيء..
كنت اعيش مع انجازاتي التي حققتها مددا طويلة واستمد منها السعادة..
كنت عنيدا.. جدا..
كنت اذا تحدث احد في مجال وتبين انه متميز فيه ظهرت بداخلي رغبة قوية في ان اتعلم المجال لاكون ابرع..
كنت اذا سمعت عن شخص حدثت له مشكلة تبادر الى ذهني مباشرة: هو السبب، بالتأكيد عمل شيئا يستحق به هذه المشكلة..
حتى في الدين، كنت انظر الى من يرتكب اي معصية نظرة دونية وكأني افضل منه (ولهذا ولتبعاته قصة اخرى)..
كنت عندما اخطط لشيء اخطط له في ضوء الامكانيات المتاحة الآن فقط، ولا اتصور وجود اي فرصة لتحسن في المستقبل..
في المقابل كانت احلامي خيالية غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ وكانت مصدر السعادة والهروب من الواقع لي..
كنت اتصور ان المشاريع والنجاحات والامكانيات حكر على الفئة الprivileged التي تعطي اولادها التفاح والموز ليأكلوه في المدرسة بدلا من ساندوتشات الجبن والفول..
كنت متوترا على الدوام، قلقا من المستقبل بشكل مرضي غير طبيعي، حتى ان الهواجس تحولت الى احلام يقظة..
كنت افترض الشر او على الاقل سوء النية في من لا اعرفهم..
كنت اخجل من الاعتراف بانني لا اعرف معلومة ما او الاجابة عن شيء ما وبالتالي كنت اتظاهر بالمعرفة..

لا استطيع ان اصف شعوري حاليا وانا اتذكر مواقف متعلقة بكل ذلك وكنت قد نسيتها..

حدث بالتزامن مع ما سبق ان زملاء سنة الدراسة تلك (150 شخص) غيروا طريقة تعاملهم معي فجأة بالتجاهل وعدم الاهتمام، عكس ما كان الامر عليه في السنة السابقة لها، عدا اثنين، فسألتهما عن ذلك الامر، فقالا لي بتردد ان الناس يقولون عنك انك مغرور! جاءت هذه الصدمة الاضافية في وقتها المناسب جدا، فقد كنت في خضم المراجعة النفسية، وكانت تأكيدا على ان علي الاستمرار بتلك المراجعة والاستفادة من النتائج، كانت استمرار للطف الله بي..

خلال ايام -بتوفيق الله وعنايته ثم بذلك التوجيه من خالي- كنت قد فهمت واقتنعت بأن كل التصرفات السيئة/الغريبة كانت تنتج عما يدور في عقلي فقط، عن الطريقة التي انظر بها للامور، المشكلة كلها بداخلي، وبالتالي فالامر يتطلب بعد الفهم والاقتناع التنفيذ والتدرب على التنفيذ، احتاج ان افعل عكس الاشياء.. بدأت اقاوم الطريقة التي اعتدت ان اتصرف بها في كثير من الامور، لم يكن ذلك سهلا جدا في البداية، واحسست انني اريد ان اتهرب من المواقف التي تضعني تحت ضغط تغيير السلوك، فأجبرت نفسي على التواجد فيها، واخذت اقاوم الشعور المتكرر بالاستياء وعدم الراحة.. اصبحت اعطي اهتماما “حقيقيا” للناس، واسمع لهم دون ان اترك لرغبتي في مقاطعتهم واكمال كلامهم المجال.. وبدأت اعتذر اذا كنت سببا في مشكلة ما، وكان ذلك صعبا علي في البداية ويظهر على وجهي بسهولة (من تغير اللون والعرق والتنفس).. اصبحت اهنئ من يفوز في منافسة او يتفوق في شيء ما او على الاقل ابتسم لهم واشعرهم بانني سعيد بتفوقهم.. صرت اذا دخلت في مناقشة ووجدت عدة اطراف مختلفين مع وجهة نظري اسكت واستمع واقهر رغبتي في الانتصار واثبات وجهة نظري.. عندما اشاهد او اسمع شيئا انجزه احد الاشخاص اهتم جدا بالثناء عليه رغم انتباهي الفوري للعيوب، واذا كان الموقف مناسبا للنقد تحدثت بعد ذلك في العيوب والا فقد اصبحت اكتم بعض الاشياء بدلا من مضايقة الناس..

وبالفعل.. بعد شهر من هذه الاحداث كنت قد استعدت العلاقة الطيبة مع زملائي، وانشأت المنتدى الادبي في كلية الهندسة لأتعاون في الشعر والادب مع غيري من الزملاء النابهين ولاشجعهم (كان منهم الاول والثالث والخامس في مسابقة الجامعة بعد ذلك، ومنهم من طبع دواوين شعرية)، وحصلت على عدد كبير من الاصدقاء في دوائر مختلفة، وبدأت اتكامل مع غيري في انشطة كنت اقوم بها وحدي، وتغيرت حالتي النفسية بشكل جذري عما كانت عليه قبل ذلك الوقت، فقد اصبحت مطمئنا، لا اخاف المستقبل، لا اتوتر بسهولة، ابحث في كل العلاقات والاتفاقات عن حالة تضمن المكسب لكل منا، اسعى للوصول الى الصواب لا الى اثبات وجهة نظري، اتنازل عن رأيي في بعض الاوقات، اعتذر اذا اخطأت حتى لو كان ذلك يتطلب الاعتذار امام جمع كبير دون ان اشعر بخجل او خزي، احيي كل من يعمل شيئا مميزا وانا سعيد من اجله بصدق، اهتم بتهنئة الاصدقاء بمناسباتهم السعيدة وبمواساتهم في مناسباتهم الحزينة لانها ابسط منحة يمكن تقديمها لاحد، احاول المساعدة اذا وجدت فرصة، لا يضايقني ان يكون احد افضل مني في المجالات التي اعرفها، لا اخجل اذا لم اكن اعرف معلومة ما بل اسال عنها واتعلمها، اسمع اكثر مما اتكلم، اشعر بالشفقة على من يخطئون وعلى من يتصرفون كما كنت اتصرف..

الآن بعد مرور كل هذه السنوات تحولت الامور التي كنت قد بدأت بها لعلاج حالتي الى عادات، واصبحت جزءا من شخصيتي، الا انني لازلت اراقب نفسي فلا امان لها، وكلما شعرت بشيء من العُجب او السعادة الزائدة عند تحقيق انجاز ما توقفت وتحدثت اليها بطريقة صارمة (تصل الى حد السباب) وذكرتها بما كنت فيه وكيف كانت نتائجه بالنسبة لها قبل الآخرين، وكلما سمعت مدحا من احد شعرت بعدم ارتياح واستوقفته، ودعوت الله ان يسترني وان يجعلني خيرا مما يظن الناس.. وهيأ الله لي اصدقاء مخلصين لا يترددون اذا شعروا بشيء من الحديث عن النفس في كلامي ان يتواصلوا معي سريعا لتنبيهي فأنتبه واصلح ما فعلته..

فيما بعد عرفت عندما قرأت كتاب الرائع ستيفن كوفي (the 7 habits of highly effective people) ان الاعراض التي كنت اعاني منها معروفة ومتكررة واطلق عليها هو مصطلح عقلية الندرة (scarcity mindset)، وسمى عكس ذلك عقلية الوفرة (abundance mindset)، تعجبت للقدر المذهل من الدقة الذي تمكن به كوفي من وصف الاعراض وتحليل الشخصيتين.. وحمدت الله على نعمته وتيسيره لي بصدمتين استمرتا 24 ساعة واثرتا على شخصيتي وحياتي وطريقة رؤيتي للعالم وطريقة تعاملي معه حتى الآن (مدة 24 سنة)..