عن الشغف

passion
قياسي
  • هل من الضروري أن يكون لي شغف وأنا أبدأ حياتي العملية أو أستكملها؟
  • نعم..

  • لماذا؟
  • لأنه محرك أساسي وعنصر هام في تطور الشخصية وفي تطور المسار الوظيفي، ويمثل عاملا فارقا في النجاح، إذ يصنع الأحلام والأهداف ويصوغها، ويمنح الطاقة اللازمة للمتابعة والاستمرار..
  • لكن البعض يقولون إن نصائح اتباع الشغف والسعي لتحقيق الأحلام غير مضرة وغير مفيدة!
  • أصبح الشغف سيء السمعة لانتشار استخدامه في المحاضرات التحفيزية وفي الأعمال الفنية بطريقة “اتبع شغفك” السطحية التي تعني ألا تعمل إلا في المجال الذي تحبه، وأن عليك أن تبحث عنه فورا، وأنك تمتلك أدواته بالفعل، وأن حياتك الوظيفية ستصبح سلسلة من النجاحات بمجرد عثورك عليه، وأن من الرائع أن تجيب من يسألك “ما هو شغفك؟” أو “ما الذي تنوي عمله؟” بإجابة قوية..

    الشغف في الحقيقة هو أن ينمو لديك ذلك الشعور القوي بحبك لمجال معين، وتسيطر عليك الرغبة في أن تنجح فيه، فيدفعك هذا إلى الاهتمام به، والتعلم المستمر مهما كان ذلك صعبا، وإلى التدرب الدائم مهما كان ذلك مملا، وإلى تخطي الإخفاقات مهما كانت مؤلمة، ثم يتوّج بأن تتحول هذه الأنشطة المتعلقة به -بالتدريج- إلى عادات تشكل جزءا من شخصيتك دون أن تشعر.. ولا يهم أن تخبر به أحدا، فهو ليس للتفاخر والتظاهر، وإنما سيعرفه الآخرون عنك من تصرفاتك ومن إنجازاتك..

  • ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم يكن هناك شغف؟
  • غالبا يقل ارتفاع سقف الطموح، وتقل فرص تحقيق الذات.. جربت أن أؤدي أمورا كان لي بها شغف كبير وأمورا أخرى لم أكن مهتما بها بالقدر نفسه وشاهدت الفرق، في الأمور الأولى كنت سعيدا وأنا أستغرق وقتي كله في حل مشاكل ما أفعله حتى وأنا مشغول عنه، وأمامي أهداف كبيرة أسعى لتحقيقها، أما في غيرها فلم أكن أخصص الوقت الكافي لها من الأساس، وكانت علاقتي بها تنتهي مع نهاية النشاط الذي أقوم به، ولم يكن لدي أحلام محددة تتعلق بها..

  • كيف يأتي الشغف؟
  • البداية تكون عندما تتعرف على مجال ما، عن طريق الدراسة أو القراءة أو الملاحظة أو العمل أو حتى نقاش عابر، فتشعر بالفضول للتعرف عليه أكثر، وتبدأ في جمع المعلومات عنه حتى تكوّن عنه فكرة جيدة، وكلما زادت معلوماتك زاد تعلقك بالمجال ونمت لديك الرغبة في أن تعمل به وأن تنجح فيه، مما يدفعك إلى البدء في تعلمه واكتساب الخبرة..

  • هل هناك مواصفات للشغف؟ هل هناك نوع ينبغي أن أستجيب له ونوع لا ينبغي أن أستجيب له؟
  • نعم، بشكل عام إذا كان المجال مخالفا لتعاليم الدين أو القانون أو مؤذيا للناس فلا ينبغي أن يصبح محور اهتمامك فضلا عن أن يكون مجالك في الحياة.. كذلك إذا لم يكن سيدر عليك دخلا يكفل لك معيشتك وكانت إمكانياتك -في الوقت نفسه- لا تتيح لك ذلك فلا ينبغي أن تنشغل به الآن.. مع ملاحظة أن العصر الحالي هو عصر التحويل التجاري (commercialization) بامتياز، فأصبح لأغلب الاهتمامات والهوايات طرق يمكن الحصول على دخل بها، حتى اللعب نفسه (على بلاي ستيشن مثلا) أصبح الماهرون فيه يكسبون عن طريق نشر مقاطع فيديو على الهواء لهم وهم يلعبون ليستمتع الآخرون ويتعلموا منهم!

  • هل من المفترض أن يكون لدي شغف واحد طول العمر؟
  • على العكس، من المتوقع أن يكون لك في كل مرحلة شغف، يعتمد هذا على مدى احتكاكك بالمجتمع حولك، وعلى مدى اطلاعك وتعرفك على العالم، وعلى إمكانياتك وقدراتك في كل مرحلة.. فكلما كانت الدوائر الاجتماعية حولك أكثر، وكنت على صلة بما يحدث في العالم على اختلاف طبيعتها، ظهرت لك المجالات وتعرفت على تفاصيل أكثر عنها، وكلما كانت إمكانياتك وقدراتك وظروفك مناسبة لأحد هذه المجالات زاد ذلك من فرص اهتمامك بها وإقبالك عليها وتحويلها إلى شغف يستغرق تلك الفترة من حياتك.. هذا ما حدث لي وللعديدين ممن أعرفهم على مر السنين واختلاف المراحل..

  • ماذا لو لم يكن لدي شغف؟!
  • إذا كنت قد تخرجت للتو فعلى الأغلب لديك شغف العمل، وأن تجرب الوظيفة وأن يكون لك زملاء عمل وأن تسهم في إنتاج وإنشاء أشياء مفيدة يتحدث عنها الناس (بغض النظر عن مجال الشركة وعن اسم الوظيفة)، أو أن يكون لك مشروعك الخاص وأن تصبح رائد أعمال (حتى لو لم يكن مجال المشروع واضحا لك الآن)، من العادي أن يكون الشغف عاما هكذا وغير محدد بمجال فرعي، لأنه لا زال أمامك ما تتعلمه عن كل شيء.. مع الوقت ستتضح لك المجالات وتبدأ في معرفة أيها يهمك ويسعدك متابعته.. فقط تذكر أن الشغف يتطور ويتغير مع الوقت، وأنه ليس امتحانا تنجح وتفشل فيه، وليس مطلوبا منك أن تخبر الناس عنه 🙂

    أما إذا لم يكن لديك شغف بالفعل فيمكنك التوقف لدقائق، والتفكير في مجموعتين من العناصر وكتابتها، الأولى: ما هي نقاط قوتي؟ والثانية: ما هي الأمور/المجالات التي يسعدني أن أتابعها وأن أقضي وقتي فيها (هواية، اهتمام، موهبة، الخ)؟ من السهل أن تكتشف أن هناك ما أنت مهتم به وما تقدر على العمل فيه، وعندها يمكنك أن تتخيل إلى أي مدى تصل بنجاحك فيه، وتبدأ في العمل الحقيقي..

  • ماذا لو كنت أعمل في مجال لا أحبه أو وظيفة لا أحبها؟
  • إذا كان لديك شغف ما وكانت لديك الإمكانيات والقدرات اللازمة وكانت ظروفك مهيأة لتعمل في المجال الذي أنت شغوف به فافعل ذلك، هناك دائما مخاطرة في هذا بالطبع، ولكن بعض الأمور من شأنها أن توضح مقدار المخاطرة، مثل: هل هناك فرصة في مجالك متاحة بالفعل؟ هل يمكنك أن تعيل نفسك فترة كافية إذا لم تنجح في مجالك؟ هل هناك إمكانية للعودة؟ هل سوق مجالك ينمو ويكبر؟ وهكذا..

    أما إذا لم يكن لديك شغف محدد، أو كانت ظروفك غير مواتية، فأنا مؤمن بذلك المثل الرائع “إذا لم تستطع أن تعمل ما تحب فأحب ما تعمل”، اهتمامك بأن تصبح خبيرا في عملك، وتعاونك مع زملائك، وتعرفك على الصورة الكبرى لعمل الشركة ومن ثم أهدافها، واقتراحاتك للتطوير، وتنبيهك للإدارة عند وجود مشاكل، كل هذه أمور تصنع الشغف عندك ويصنعها الشغف لديك، حتى لو كان شغفا عاما متعلقا بالنجاح في الوظيفة..

    هذا الشغف الأخير كان لدي عندما عملت في شركات لمدة صغيرة في مقتبل حياتي، واستفدت منه عدة أمور نفعتني فيما بعد، أهمها أنني أصبحت شغوفا بالإدارة، ومنها أنني -في عملي الخاص- أصبحت أدرك تأثير الموظفين بعضهم على بعض، والأشياء التي تحفزهم، وأعرف القرارات الجيدة والسيئة للمدير، والعلامات التي تدل على عدم رضا الموظف، ولا زلت أتعلم بالطبع..

  • هل من الممكن أن يموت الشغف؟
  • الشغف شعور كأي شعور آخر لدى الإنسان، قد ينمو بالاهتمام والممارسة، قد يتطور فيصبح أكثر وضوحا وتحديدا (كأن يكون عن الوظيفة بشكل عام ثم يتحول إلى وظيفة محددة في مجال محدد)، وقد ينمو -بالإضافة إليه- شغف جديد في مجال مختلف، وقد ينزوي شغف قديم (إذا تم إهماله وإخراجه من دائرة الاهتمام لأي سبب)، إلا أنه لا يموت إلا في حالات نادرة كحدوث صدمة بسببه أو وجود ضرر محقق منه أو على الأقل عدم وجود جدوى على أي مستوى (ولا حتى السعادة).. إذا أردت معرفة حالته لديك ففكر في شغفك، في الأشياء التي تحب (أو كنت تحب) عملها، وإذا غمرك شعور جيد فهذا يعني أنه لم يمت..