الموت.. الحزن.. الراحة..

قياسي

في الفيس بوك: أشهد وَفَيَات يومية، ما بين الكلمات الصادمة كـ”مات أبي”، والمنشورات التأبينية، تُظهر كيف يكون وفاء الناس، وتنشر عطرا من سيَر المتوفَّيْن..

ولأني جربت الفقد -كغيري- (آخرهم أمي، وحمايَ)، ولأني أعرف كيف يكون شعور الملتاع، حين يمر الوقت عليه وليس يمر، يتعجب كيف يعيش الناس وعالمه مكسور، فعسى أن تجدي تجربتي نفعا، وتساعد من في المحنة كان.

1- قبل وقوع المحتوم تخيلْه، فكر فيه وعشْه، لا أحد يعيش بلا أجل مكتوب.. وعلى قدر الحب، وعلى قدر تعلق قلبك، تخيل ما تخشاه وما ترتعب إذا ما لاح ببالك.. صدقني: حلمٌ/كابوسٌ تبكي فيه وتشهق للفقد يدربك على الصبر ويجعل خوفك أهدأ..

2- الآن وقد وقع الأمر فلا تمنع عينيك، ولا تحبس حزنك، لكن -أيضا- لا تسقط من عين الله! لا تسأله: لماذا نحن؟! لا تسخط، اصبر وتقبّل ما جاء، لا تجعل من نفسك حَكَمًا بين الله وبين الناس، فالحكم لهُ، والأمر لهُ، ولهُ ما شاء.. فكر فيها: إن تصبرْ تؤجرْ ويصبّرْك الله، ولن يتغير شيء مما كان، أو تجزعْ تأثمْ، ولن يتغير شيء مما كان.. فلماذا السخط؟

3- احذف ما في محمولك من صور أو تسجيلات للميت، هذا صعب جدا لكنّ له أثرا مضمونا في تخفيف الآلام.. إن لم تتمكن من ذلك فانقلها في شيء آخر للمستقبل، واحذفها من عندك.. أصعب شيء أن يحضر عندك من ليس بحاضر، أن يبتسم أمامك من لا يمكن أن تبتسم أمامه، أن يتحدث وتريد الرد عليه وأن تلمسه فتضيع.. هذا تعذيب للنفس وليس وفاءً، بالعكس، المتوفّى لو عاد لما أعجبه أن يتوقف عمرك عند مصابك، كان يحبك في استبشار وسعادة..

4- لا تتذكره سعيدا طول الوقت، حاول أن تستحضر ساعات الحزن وأوقات المرض، تذكر ضعفك عن تخفيف الألم وعن تهوين الضعف عليه، فستشعر بالراحة إذ يرتاح الآن..

5- لا تقطع عنه زياراتك، فسيشعر بقدومك، وسيستبشر بدعائك.. ويقل شعورك بالفقد لأنك لا زلت معه، قلبك يمتلئ وعينك تمتلئ، وتعود إلى واقعك سليما..

6- في كل صلاة.. في كل دعاء.. في كل أوان.. ادع له بالرحمة والمغفرة ورفعة درجاته.. ادع لهُ، لا تعرفُ هل يدعو غيرك بيقين مثلك أم لا، وكثيرا أم لا، في وقت لا ينفعه منا إلا ذلك..

اللهم ارحم من ماتوا، واقبلهم، واشملنا بثبات ويقين حتى لا نتعدى، وامنحنا الصبر..