الستر

قياسي

“ادعي لي بالستر”.. دائما ما يكون هذا هو الرد الذي أسمعه من كبار السن في عائلتي ومعارفي إذا أوصوني بالدعاء فسألتهم عما يحبون أن أدعو لهم به، ويأتي مقرونا بالصحة أحيانا وبراحة البال أحيانا..

و”مستورة الحمد لله” يكون ردهم على سؤالي عن أخبارهم وأحوالهم..

وكنت دائما أترجم هذا التعبير “الستر” بمعنى ترتيب الله لمسألة الرزق بشكل لا يضطر الشخص إلى طلب المال من غيره، ولا يكشف دواخله وطريقته في تدبير مصاريف حياته.. هذا يتسق مع طريقة تفكيري كشاب يقضي معظم وقته سعيا وراء لقمة العيش، في زمن صعب متقلب، وعلاقات هشة، ووعود آيلة للسقوط..

الآن -بعد أن أصبحت من كبار السن الذين أتحدث عنهم- يمكنني أن أقول إن فهمي للـ”ستر” لم يكن متكاملا، فالأمر ليس متعلقا بالمال فحسب، ولا هو عن الاحتياج للغير أم لا، وإنما يأتي في أشكال لا حصر لها..

عندما أقترف ذنبا في حق الله فيمر الوقت دون أن يفضحني.. ستر..
عندما أرتكب خطأ في حق زوجتي أو أحد أقاربي فلا ينتشر بين الآخرين ولا تتأثر علاقتي بهم.. ستر..
عندما أنسى أمرا هاما في الدراسة أو العمل وتترتب عليه نتائج تؤثر سلبا على مستقبلي فيتيسر من تلقاء نفسه.. ستر..
عندما تحل علي مصيبة فأرتعب من تبعاتها المتوقعة -الحتمية- فإذا بها تمر بشكل عادي وبأقل الخسائر.. ستر..
عندما أكون في مشكلة أعياني حلها واستسلمت فاعتبرتها أمرا واقعا فيتدخل فيها شخص لم أخبره بها فيحلها.. ستر..
عندما يهددني أمر من الماضي ولا أعرف طريقا منطقيا لتلافي ضرره على حياتي فيدفن فجأة كما بعث فجأة.. ستر..
وأقدمها وأكثرها تكرارا: عندما أكون في احتياج مادي ولا وسيلة أمامي للكسب فتهيأ الأمور والأسباب ليكون لي دخل أكبر مما أستحقه.. ستر..

عندما كنت أتعلم أن الله يستجيب الدعاء بثلاث صور: بإجابة ما أطلبه، أو بدفع ضر مساو للدعاء، أو بتأجيل الخير إلى يوم الحساب، لم أكن أشعر بالصورة الثانية: دفع الضر بمقدار الدعاء، فالأولى يمكنني ملاحظتها، والثالثة يمكنني الإيمان بها، أما الثانية فأنا مؤمن بها لكن بما أنها تحدث في حياتي فأنا أحتاج لأن أشعر بها!
الآن أدركت أنني أشعر بها طوال الوقت، وأراها بعيني طوال الوقت، وأصبحت تبكيني لما فيها من كرم عظيم وتدبير كريم وإنعام واسع من الله..
هذه الصورة الثانية من صور استجابة الدعاء هي الستر..