الابتكار والابتكارات

كان الناس -قديما- يستخدمون الرسل والمسافرين في نقل الأخبار والرسائل بين المدن المختلفة، وعرف بعضهم استخدام الحمام الزاجل للغرض نفسه، إلا أن التواصل السريع كان دائما أمنية الجميع لما في ذلك من تدارك مصائب وتحقيق فوائد بشكل مبكر وأكثر نفعا، لهذا أصبحت بعض الدول -في أواخر القرن الثامن عشر- تستخدم التواصل عن طريق الإشارات المرئية بعكس ضوء الشمس مثلا أو بتكوينات يتم عملها بهيكل معدني وتكرارها من محطة إلى أخرى إلى أن تصل إلى المحطة المطلوبة (اقتباسا عن استخدام المحاربين الصينيين القدماء لدخان النار بالطريقة نفسها)، وكان مستوى مقبولا بالنسبة لها رغم محدودية الكلمات والتعبيرات المعدة مسبقا والتي يمكن إرسالها بهذه الطرق.

ثم جاء اختراع التلغراف (telegraphy) في أوائل القرن التاسع عشر ليتيح إرسال الحروف على هيئة ومضات كهربية لها أطوال معينة لتصل إلى الطرف الثاني على امتداد سلك كهربائي فيصدر لها صوت عنده فيقوم بتحويل مدد الأصوات إلى الحروف المقابلة لها وتجميعها لتكوين الرسالة، مما يتيح إرسال كلمات دون حدود وفي وقت قصير جدا، فكيف كان استقبال الناس لهذا الابتكار؟

رفضت شركة القطار التي تعتبر المستخدم الأساسي المتوقع لهذا النظام هذا الابتكار وقالوا إنهم راضون بنظام التواصل الشبيه المبني على ضغط البخار، وحتى عندما وافقوا بعد محاولات كثيرة من المبتكر ظل المشروع حبيس الأدراج في الشركة ولم يستخدم لمدة طويلة! وتخوف بعض المثقفين من أن تسهم هذه البدعة في انحطاط الذوق العام لسهولة إرسال كلام عام غير منمق، وتخوف غيرهم من أن يسهل عمل الجواسيس.

رغم كل ذلك فرض التلغراف نفسه خلال عقود قليلة وأصبح هو الطريقة المستخدمة بانتشار متزايد في أنحاء كثيرة من العالم إلى أن أصبح طريقة التواصل الأساسية للجمهور، ليضمحل زمن التواصل عن طريق الإشارات المرئية.

ثم ظهر التليفون، وكان يطلق عليه في البداية “التلغراف الناطق”، وقلد ما فعله التلغراف والفاكس من قبله لكن مع الصوت، فقد حوّل الصوت إلى إشارات كهربائية تنتقل على سلك إلى أن تصل إلى الطرف الثاني فيقوم جهاز الاستقبال بإعادة تكوين الصوت بناء على الإشارات، وكان مخترعوه يتوقعون ترحيبا كبيرا من الجمهور واهتماما من الشركات، فكيف كان استقبال الناس لهذا الابتكار؟

في مذكرة داخلية بشركة ويسترن يونيون (التي تبنت الاختراع بعذ ذلك) وردت هذه الجملة “هذا الاختراع المدعو بالتليفون مليء بالعيوب التي تجعله لا يصلح أداة للتواصل، وليست له قيمة بالنسبة للشركة”، وتشكك الناس في جدواه في البداية، وتهيّبوه خوفا من أن يصابوا بصدمة كهربائية منه، حتى كان بعضهم يقفز من مقعده فزعا إذا انتبه إلى وجود تليفون بالقرب منه في فندق أو مكان عام، وانتشرت شائعات عمن استخدموه فأصيبوا بالصمم أو حتى الجنون، وعن انفجار بعض أجهزة التليفون فجأة، هذا بالإضافة إلى قلقهم من تجسس آخرين على محادثاتهم التليفونية.

رغم كل ذلك أصبح التليفون حقيقة واقعة خلال عشر سنوات ثم انتشر سريعا ليصبح في البيوت خلال عقود قليلة، وليمضي زمن التلغراف.

ثم عمل البعض على تطوير التليفون المحمول منذ منتصف القرن العشرين إلى أن ظهر أول جهاز محمول في أواخر القرن، فأصبح بالإمكان التواصل مع الآخرين دون التقيد بمكان، وتطور سريعا جدا ليقدم ما هو أكثر من المكالمات العادية، فتحول إلى تليفون ذكي أشبه بجهاز كمبيوتر مصغر يمكن عمل أشياء لا نهائية بواسطته باستخدام التطبيقات المبرمجة. فكيف كان استقبال الناس لهذا الابتكار؟

يمكنك أنت أن تجيب عن هذا التساؤل 🙂 فإلى جانب تخوف الكثيرين من أشعة الجهاز الضارة التي يمكن أن تؤثر على الصحة هناك الخوف من التجسس على الأحاديث العادية حتى إذا كان الجهاز مطفأ، بالإضافة إلى التأثيرات النفسية المتعلقة بإدمان استخدامه، والتأثيرات الاجتماعية بتقليل الاحتياج للاختلاط بالآخرين، الخ.

رغم ذلك انتشر التليفون المحمول انتشارا رهيبا وأصبح في يد الجميع وفرض استخدامه وأصبح ضرورة حياتية بما فيه إمكانية التواصل من أي مكان وكذلك من شبكات التواصل الاجتماعي، واضمحل بذلك زمن التليفون الأرضي الذي لا يزال يوجد في المنازل والشركات لكن غرضه الأساسي هو اشتراك الإنترنت الذي يتيح استخدام التليفون المحمول.

أقول هذا لأعبّر عما أشعر به عندما أستمع إلى فكرة جديدة من مؤسس مشروع ناشئ (مهما كانت غريبة)، أو حلم بعيد المنال لأحد الأصدقاء، أو شكوى ممن حاول عرض فكرته/مشروعه على مستثمرين وهيئات راعية فرفضت مشروعه ولم تر فيه الفائدة التي يراها هو لأنها “لم تفهمه” أو تر فيه “جدوى”، أو تعليقا يتوقع -ببساطة ودون حقائق ومعلومات- فشل شركة ناشئة عالمية قيمتها بالمليارات حاليا.

الابتكارات موجودة لتبقى، موجودة لتغير طريقة أدائنا للأمور في حياتنا اليومية، وعدم القدرة على الاقتناع بها مبكرا والتعامل معها والاستفادة من محاسنها وحتى البناء عليها يعني التأخر اقتصاديا واجتماعيا وعدم اللحاق بما توفره من كفاءة وفائدة.


د. محمد حسام خضر استشاري الإدارة و الاستثمار والتحول الرقمي ومؤلف كتاب "رائد الأعمال Inside Out"، أسس العديد من الشركات في مجالات مختلفة، منها إنترنت بلس وبنت الحلال وألعاب شمس وفتكات وكاوباي، ومستشار لدى العديد من الشركات التقليدية والريادية مثل شركة شرق آسيا وجلاميرا وليمون سبيسز وجيل.


شارك الموضوع
FacebookLinkedInYouTube