لا تسأل العميل، فهو لا يعرف ما يريده!

لهنري فورد (مطور صناعة السيارات في امريكا) جملة مشهورة: لو سألت الناس عما يريدونه (قبل ان ابدأ شركتي وقبل ان تصبح السيارات معروفة) لطلبوا جيادا اسرع! اصبحت هذه الجملة مبررا يستخدمه كثير من العاملين في مجال التطوير والتجارة والاعمال، فهم يرون انك ينبغي الا تسأل العميل وان تهتم بعمل المنتج/الخدمة بالطريقة التي تراها مناسبة من واقع خبرتك، او على الاقل الا تعطي رأيه اهتماما كبيرا، ثم عليك ان تعمل على تسويق المنتج واظهار مميزاته واقناع العميل به.
 

لا يمكن لاحد ان يختلف مع مقولة فورد لا سيما ان كل الشواهد تؤكد ذلك، فلو سألت احدا محتاجا لدخل اضافي فلربما طلب وظيفة اضافية من المنزل مثلا ولما خطرت على باله فكرة ان يوصل الناس بسيارته وحتى لو خطرت لما كانت مرغوبة بالنسبة له، ولو سألت احدا يشكو اسعار الفنادق الغالية لطلب فنادق باسعار اقل ولم يكن ليتصور الاقامة في منزل ناس لا يعرفهم، ولو سألت احدا يريد الزواج عما اذا كان من الممكن ان يتزوج عن طريق موقع او تطبيق انترنت لاستهجن الفكرة ولكان طلبه ان تكون وسيطة العروس صادقة في المواصفات التي تخبره بها.. وهناك عدة اسباب لكل هذا: الانسان بطبعه عدو ما يجهل، وعقل الانسان يبحث دائما عن الافكار النمطية ليوفر الوقت والطاقة اللازمين للتفكير، كذلك من الصعب جدا ان تقنع احدا بفكرة لا توجد عليها “مباركة” مجتمعية، وتكلفة التحول من استخدام منتج/خدمة الى اخر تكلفة عالية لان مجرد التفكير في تغيير الطريقة مكلف بالنسبة للشخص، الخ.
 
لكن هذا يحدث لاننا نسأل الاسئلة الخاطئة ونبحث عن الاجابة الخاطئة! في مقولة فورد وفي الامثلة السابقة (وغيرها من المشاريع التي غيرت طرق الاستخدام للناس) كان السؤال عما “يريده” العميل، والنتيجة الطبيعية هي انه يريد تطوير الحلول التي يعرفها، ولن يكون سهل الاقناع بافكار مختلفة عنها.. ما نحتاج ان نعرفه عن العميل هو “احتياجاته” عن طريق معرفة الطرق التي يستخدمها لتحقيق ما يريد حاليا، وبعد ان ندرس ونحلل ما عرفناه منه يمكننا ان نتولى نحن تلبية هذه الاحتياجات بالطرق التي نفكر ان ننشئ بها مشروعنا بعد ان نتأكد ان طرقنا مناسبة.. يمكن عمل ذلك بالحوار والمناقشة مع العميل والتركيز على حياته..
 
الحوار مع العميل ينبغي الا يكون استطلاع رأي بالطريقة الرسمية: اسئلة محددة مسبقا لا تتغير ومعدة بطريقة الاختيار من متعدد، كذلك يجب الا نسأل الاسئلة الخاطئة: ما رأيك في فكرة كذا؟ اذا ظهر مشروع بهذه الفكرة فهل ستستخدمه؟ كم من الممكن ان تدفع عندها؟ نتائج هذه الطريقة لا يمكن الاعتداد بها ولا الاعتماد عليها، لانها تبنى على المجاملة والخوف من الاحراج وحب الظهور.. ينبغي ان يكون حوارا عاديا يدور بطريقة طبيعية، والاسئلة يمكن ان تسير بالطريقة التالية وتتطور حسب الردود: هل تحتاج الى تحقيق كذا؟ ما هي الطريقة لذلك؟ لماذا تستخدم هذه الطريقة؟ هل تواجهك مشاكل في هذه الطريقة؟ ما تكلفة هذه الطريقة؟ هل تذكر اخر مرة نفذت هذه الطريقة؟ هل جربت طرقا اخرى؟ هل يستخدم اخرون ممن تعرفهم طرقا اخرى؟ بشكل عام هل تستخدم تطبيقات الجوال (اذا كان المشروع معتمدا على تطبيق)؟ ما هي التطبيقات التي تستخدمها باستمرار؟ ما الذي يعجبك فيها؟ هل هناك تطبيقات مسحتها؟ لماذا؟ وهكذا.. دون التطرق الى فكرة المشروع وجدواها وتفاصيلها وافتراضاتها..
 
في ضوء المعلومات (وتعبيرات الوجوه وطرق الكلام) التي حصلنا عليها من اللقاءات والحوارات يمكن ان نصل الى استنتاجات صالحة للعمل بمقتضاها، مثلا:
– هل مواصفات الجمهور المستهدف بالمشروع والتي فكرنا فيها صحيحة ام تحتاج الى تعديل؟
– ما هي الحاجات التي تقوم الطرق الحالية بتوفيرها؟
– هل هناك احتياج حقيقي للمشروع ام ان الطرق الحالية كافية؟
– هل هناك مزايا اضافية يمكن ان يضيفها المشروع؟
– هل هناك عيوب للمشروع؟ ما هي؟
– هل تكلفة تحول العميل من طريقته الحالية الى طريقة المشروع اقل من الفائدة التي يتلقاها؟
– ما هو السعر المناسب للمشروع مقارنة بتكلفة الطرق الحالية؟
– هل الجمهور المستهدف بالمشروع لديه الامكانية التقنية (مثلا) للتعامل مع المشروع؟
 
بهذه الطريقة وبشكل غير مباشر يمكننا الوصول الى ما نريد ان نعرفه بنسبة اطمئنان اكبر وبدقة اكبر، ونبدأ العمل على الفكرة على اساس حقيقي.
 
—-
 
ملاحظة:
هذا الكلام في سياق التفكير في مشروع جديد يقدم طريقة جديدة لعمل شيء ما (disruptive) ولازلنا في مرحلة الفكرة والتخطيط وانشاء نموذج المنتج/الخدمة، يختلف الامر تماما بعد الاستقرار على الفكرة وانشاء المنتج او نموذج منه، فالآن وقد اصبح هناك شيء يمكن ان نتحدث عنه نحتاج الى ان نعطي المستخدم/العميل توضيحا لفوائد وطريقة استخدام المنتج ثم نسأله عن رأيه فيما هو موجود وعما “يريد” ان يراه او لا يراه في المنتج بناء على استخدامه له بالفعل، ونتبع طريقة جيدة في التعامل مع هذه الآراء لنتأكد اننا نسير بالمشروع في الاتجاه الصحيح. وذلك امر يمكننا الحديث عنه لاحقا ان شاء الله.
شارك الموضوع