رائد الاعمال Inside Out

(آسف على الكآبة لكن مواجهة الواقع هامة)

تنشر الصورة النمطية عن رائد الاعمال انه شخص قوي الشخصية، مستقل بذاته، ماهر في الادارة، يملك قراره، ويستمتع بوقته، وفي عقله افكار جديدة لا تنضب، ويستخدم الالوان الزاهية في طلاء جدران شركته والbean bags في تجهيزها، وعلى علاقة بكبار المستثمرين ورجال الاعمال، وبائع متميز بالفطرة، و”لاسع/مطرقع” نوعا ما، يعرف اشياء عن الاعمال والحياة لا يعرفها غيره، متفائل للغاية، يمكنه عمل اي شيء، وسعيد طوال الوقت، وفي حسابه في البنك مبلغ من ستة اصفار، وعشرات الفرص في متناول يديه وما عليه الا ان يلتقطها 😀

داخليا حيث الصورة الحقيقية توجد اختلافات.. بشكل عام حياة رائد الاعمال ليست سهلة ولا ممتعة كما يتصور الكثيرون، صحيح ان فترة الفكرة في البداية تتميز بالسعادة الغامرة والتشوق والتفاؤل، وتستمر هذه الفترة مع شرح الفكرة للاخرين وتطويرها وتكوين فريق المؤسسين، الا ان هذه المشاعر غالبا تبدأ في الخفوت مفسحة الطريق لمشاعر اخرى -اقل بهجة- مع بداية دراسة الفكرة على ارض الواقع ومقابلة الناس والتأكد من الافتراضات..

تتغير المشاعر بالتدريج الى التوتر، والحيرة، والشك، وفقدان الطاقة، الحزن، وعدم الشعور بالسعادة عند الحصول على الاشياء التي كانت تسبب السعادة، والخوف، والقلق، واحيانا الاحباط ثم الاكتئاب (رواد الاعمال عرضة للاكتئاب بنسبة 30% اكثر من بقية افراد المجتمع حسب دراسة صدرت في 2015 واجريت على 240 رائد اعمال).. يحدث هذا بينما على وجهه ابتسامة وفي عينيه تفاؤل وفي كلامه ثقة يحرص على تصديرها لكل من يتعامل معه: المؤسسين والمستثمرين والmentors والموظفين والعملاء، حيث لا يستطيع ان يعرض المشروع لمخاطر نتيجة مشاعره الشخصية..

هناك اسباب كثيرة لهذه المشاعر التي نتجرأ ونتحدث عنها الآن:

عدم وضوح/ثبات الطريق

الstartup بتعريفها كيان غير محدد المعالم، يعتمد على التخطيط والتنفيذ ومعرفة النتيجة واعادة المحاولة، فلا اشياء محددة من البداية تستمر كما هي، والمشكلة هنا ان العدو الاكبر للعقل البشري هو عدم وجود نمط سابق يقيس عليه الامور، لهذا تمثل طريقة عمل الstartup ضغطا نفسيا على رائد الاعمال نتيجة تشغيله لعقله بطريقة غير تقليدية واجباره عليها.. هل اخد هذا القرار ام انتظر؟ هل اوسع النشاط ام ليس بعد؟ هل هل استمر كما انا ام يجب ان اغير الان؟ هل اعين موظفا ام اعطيه حصة فيصبح شريكا مؤسسا؟

الشعور بعدم الكفاءة (imposter syndrome)

سواء اكانت لدى رائد الاعمال القدرة على تنفيذ المشروع ام لا فغالبا ما تحتويه اوقات الشعور بالتردد والشك في قدراته وكفاءته، هل سأتمكن من تنفيذ ما افكر فيه؟ هل هذه الخطة هي افضل ما يمكن لاي مدير عمله في هذه المرحلة؟ هل سأتمكن من التصرف بشكل صحيح امام المستثمرين؟ وهذا شعور طبيعي بالذات مع السن الاصغر ومع من قضى عمره في وظيفة واحدة نظرا لقلة الخبرة العملية في التعامل مع السوق والاعمال والشركاء والموظفين والعملاء.

المسؤولية الكبيرة تجاه الشركاء

اموال الاهل والاصدقاء، واموال المستثمرين، وقت ومجهود وحماس الشركاء، توقعات العملاء، كل هذه الاشياء ضغط كبير على رائد الاعمال، كل مشكلة -مهما كانت صغيرة- يتضاعف تأثيرها النفسي عليه لشعوره بمسؤولية قراراته والانشطة التي يقوم بها والمسارات التي يختارها على كل هذه الاموال والمجهودات ومن ثم العلاقات.

نقص الموارد

غالبا ما تبدأ الstartup برأس مال صغير ويحاول المؤسس تدبير ما يحتاجه مع الوقت، ثم يحتاج الى موارد اكثر، ويصل الى نقطة يتهدد فيها مشروعه اذا لم يحصل على دعم مالي قريب، الشعور باحتمال وصول المشروع الى نقطة نهاية مبكرة من أسوأ ما يمكن لأحد ان يتخيل، شعور خاص برائد الاعمال لا يشعر به موظف او مدير صغير او كبير، الاحلام توشك ان تتبخر، والنجاحات المستقبلية ستتحول الى كابوس كبير، والشعور بالفشل سيلازم الشخص، لا شيء واضح في المستقبل، لون اسود فقط.

التعامل مع الناس

الكثير من رواد الاعمال هم من العاملين في مجال تقنية المعلومات، وقتهم محصور في شاشة الكمبيوتر، وتعاملهم مع عميل واحد او مدير وزملاء قليلين ومن السهل وضع حدود شخصية مريحة، والاحتكاك مع الناس في العمل اقل ما يمكن، والمدخلات المحددة لها نتائج متوقعة محددة وحتى اوقات تنفيذ متوقعة محددة.. اما عندما يؤسس مشروعا فقد اصبح مطلوبا منه التعامل مع انواع مختلفة من الاشخاص والشخصيات، وتحمل سخافات، والتظاهر باشياء، وقبول حقيقة ان المدخلات المحددة لا يمكن توقع نتائجها مهما كانت الوعود والاتفاقات، وانتظار طويل ومتكرر لنتائج التواصل مع المستثمرين وحاضنات/مسرعات الاعمال والعملاء والشركاء، وعدم انتظام واداء سيء من الموظفين… كل هذا غير متسق مع طبيعته! فيتراكم التوتر شيئا فشيئا الى ان يتم تصحيحه بدورة انعزال وخلو بالنفس تعالج ما حدث.. ثم يعود الى التعامل مع الناس..

مهام ومشاكل تشغيل الstartup

بينما تحصر مشاكل المبرمج في حل الخطأ البرمجي الذي يظهر له، ومشاكل المصمم في الوصول الى شكل يعجب العميل، تتنوع مشاكل التشغيل الملقاة على عاتق رائد الاعمال بشكل لا مثيل له، مطلوب منه تخطيط وتنظيم وتنفيذ (في غالب الاحيان) ومتابعة كل ما يتعلق بالstartup من تسويق وخدمة عملاء ومشتريات وتصميم منتج/خدمة وعمل علاقات وشراكات ومتابعة مع مستثمرين محتملين وإعلام ومتابعة جديد المجال والمنافسين الخ.. هل هذا كل شيء؟ لا.. اضف الى ذلك المشاكل التي تظهر في كل هذه الامور والتي تحتاج الى حلول والتي يكون حلها في بعض الاحيان معتمدا على شريك او موظف لا يقوم بما هو مطلوب منه في الاساس! هذه الامور التي لا تنتهي تفرغ الشخص من طاقته ذهنيا وجسديا، وتكرارها بشكل مستمر ولمدة طويلة يفرغ طاقته نفسيا ويتركه غير مقبل على شيء في العمل او الحياة..

اهمال الواجبات الاجتماعية

عدم الاستقرار الناتج عن تسيير اعمال المشروع والتغيرات المتتالية والاحداث غير المتوقعة و-الاهم من ذلك- ضرورة قيام المؤسس بكل الاعمال المطلوبة ومنها اعمال ليست له فيها خبرة على الاطلاق كل هذا يؤدي الى تقليل اهمية البيت والزوجة/الزوج والاولاد والاصدقاء والمعارف.. فتنعكس الاية للاسف، وبدلا من ان تكون هذه العلاقات هي مصدر التسرية عنه تتحول الى عبء كبير وتظهر مشاكل جديدة بسبب هذا الاهمال تزيد من حدة المشاعر السلبية الموجودة بالفعل..

ضرورة تجميل الواقع وارتداء قناع

وهي القشة التي قصمت ظهر البعير! بعد كل النقاط السابقة وكل الارهاق النفسي مطلوب من رائد الاعمال ان يظهر بمظهر الواثق من نفسه المتفائل بطبعه المتفجر طاقة وحيوية والمنتشر في المكان.. لا تتحدث الى احد عن مشاعرك الحقيقية، ولا اقرب الناس اليك.. وكلما سألك احد عن المشروع فتكلم عنه بشكل جيد رغم عدم اقتناعك واحساسك بالتوتر الكبير والقلق.. والنتيجة الحتمية؟ لا احد يشعر بك.. اذن اضرب كل المشاعر السابقة في 2..

——–

اشعر الان انني في حالة نفسية لا احبها لمجرد كتابة النقاط السابقة، فقد طافت ببالي -كرائد اعمال- الاوقات التي كنت اقضيها في مشاعر سلبية، والانعزالات التي كانت حالتي تفرضها علي، وحتى المشاعر التي تراودني هذه الايام وانا على باب مشاريع جديدة.. الموضوع ليس سهلا.. ليس سهلا على الاطلاق.. مررت باشياء لا يتسع الوقت والمجال لمجرد ذكرها حتى.. ربما تأتي فرصة للكتابة عنها مستقبلا..

الجملة السابقة كانت رد فعل غير مدروس على ما كتبته ثم قرأته، سأتركها لاكون صادقا مع نفسي ومع اصدقائي..

——–

كيف نقوم بالتغلب على هذه المشاعر السلبية (الطبيعية) والاوقات التي تفسدها علينا ويمكن ان تتسبب في فشلنا وفي توقفنا في اماكننا بينما يمر الاخرون ويتقدمون؟ هل هناك اشياء حقيقية يمكن عملها ان الامر يعتمد على تقوية الثقة بالنفس فحسب: ثق في نفسك وأخرج المارد الذي بداخلك؟ ما الذي يفعله رواد الاعمال في الواقع هل تسيطر عليهم هذه المشاعر طوال الوقت ام يمكنهم السيطرة عليها معظم الوقت؟

الحمد لله هناك طرق بالفعل، يمكننا اعتبارها “روشتة” الوقاية والعلاج لرائد الاعمال.. وحتى لا يطول هذا الموضوع اكثر من ذلك فذلك سيكون الموضوع القادم ان شاء الله: سعادة رائد الاعمال خارج اطار المشروع وسعادة رائد الاعمال داخل اطار المشروع 👍

شارك الموضوع