رفضوني (Rejected)!

الرفض من الوظيفة و الاستثمار

إذا كان مشروعك قد تم رفض تمويله والاستثمار فيه (من جهة accelerator أو مستثمر أو VC) وشعرت أنك في حالة انعدام وزن فهذا الموضوع لك.. وإذا كنت قد فوجئت بقبول مشاريع أقل من مشروعك فتفاقمت الحالة التي تشعر بها وتحولت إلى عدم ثقة بالنفس أو بالمشروع وإلى سخط وغضب من الجهة ومن المجال كله فهذا الموضوع بالتأكيد لك! صحيح أن ما شعرت به طبيعي إلى حد ما (ودائما يحدث لنا في المرات الأولى)، إلا أنني حريص على توضيح النقاط التالية لك وأعتقد أنها ستحدث فرقا معك..

هل الرفض هو الاستثناء؟!

للإجابة على هذا السؤال تعال نفكر بهذه الطريقة: كم عدد المشاريع التي تختارها الجهة التي رفضتك وتستثمر فيها في كل دورة/فترة؟ 5؟ 8؟ حسنا.. كم عدد المشاريع التي تتقدم لهذه الجهة في كل دورة في المتوسط؟ 50؟ 100؟ أريد أن أخبرك بأن هناك جهات يتقدم لها 1,000 مشروع، وفي حالة الإعلان التليفزيوني -مثلا- يصل الرقم إلى 10,000 مشروع! لكن من أجل إكمال هذه النقطة لنأخذ 400 كمتوسط (وهو رقم شائع في معظم الجهات)..

إذن 98% من المشاريع تحصل على رفض، معنى ذلك أن الاستثناء في هذا المجال هو الموافقة، وأن الأصل هو الرفض!
نعم.. الأصل هو الرفض، والموافقة هي الاستثناء..

لهذا أتعجب عندما ألمح عند العديد من رواد الأعمال الشباب الثقة المفرطة في توقعهم لقبول المستثمر أو مسرعة الأعمال أو غيرهما لمشاريعهم، سمعت -على سبيل المثال- “لقد قدمنا في الدورة الحالية للجهة الفلانية واخترناها هي بالذات لكي نحصل على التمويل ولأن دعمهم للمشاريع ممتاز، وهذا من شأنه أن يفيدنا في تحقيق دفعة قوية للشق التسويقي في المشروع” ثم سمعت بعد الرفض “لا أفهم كيف رفضونا! مع أننا كنا أقوى مشروع بشهادة الجميع!”..

ما تحتاجه هو أن تهضم معلومة أن الرفض هو الأصل، وأن تغير -بالتالي- طريقة تفكيرك، قلل توقعاتك، تذكر دائما أن احتمال حصولك على التمويل هو أقل من 2%، إذا لم يعجبك ذلك فافترض أن مشروعك هو واحد من أفضل 50% من المشاريع المتقدمة للجهة التمويلية، وبالتالي فإن احتمال حصولك على التمويل هو أقل من 4%..

هل الرفض = الفشل؟

في سنة 1999 -وبعد أقل من عام على تأسيسها- عرض مؤسسا جوجل على رئيس مجلس إدارة شركة Excite (من بوابات الويب الكبيرة آنذاك) شراء جوجل مقابل مليون دولار، إلا أنه رفض، وقلل مستشاره المبلغ إلى 750 ألف لكنه رفض مرة ثانية، اليوم تساوي جوجل 750 مليار دولار..

منذ عدة سنوات تقدم ثلاثة من الشباب بمشروع يخص إرسال الإيميلات إلى أشهر مسرعة أعمال في العالم Y Combinator، وتم رفضهم، فتقدموا إلى مسرعة أخرى شهيرة وهي Techstars فقبلتهم.. منذ شهور قليلة بيعت الشركة مقابل 3 مليار دولار.. الشركة هي SendGrid..

عندما ضاقت الدنيا بـ”وسترجرين” فترك الكلية لعدم قدرته على سداد الرسوم، أسس مع زميلين له شركة لتوزيع الأغاني وتواصلوا مع مستثمرين وشركات VC عديدة، وفي كل مرة كانوا يأخذون رفضا.. حتى وصل عدد الجهات التي تحدثوا إليها إلى 350 جهة.. 350.. من أسبوعين تم بيع شركة باندورا مقابل 3.5 مليار دولار..

لكن دعني أكن صريحا معك -كالعادة-، الرفض يعني فشلك في حالتين:

1- أن تخرج من التجربة بدون فائدة أو درس أو خبرة إضافية! بعض المسرعات تقدم برنامجا تأهيليا قبل الاختيار فاحضره وسجله واستفد منه، واطلب من مقدمي البرنامج (وهم غالبا mentors متطوعون) رأيهم في مشروعك، وإذا كانت هناك فرصة للاختلاط بالمشاريع الأخرى فيجب أن تنتهزها وأن تحصل على كل الصداقات التي يمكنك الحصول عليها، وإذا أتيحت لك إمكانية التعرف على المستثمر عن قرب فاطلب منه نصائح مخصصة فيما تعرف أن مشروعك يحتاجه، وهكذا..

2- أن تنهار وتفقد ثقتك بنفسك وتتوقف.. قد تقول “ربما كان المشروع سيئا بالفعل”، وأنا معك في ذلك التوقع، لكن استمع إلي جيدا: أن تنهي مشروعك لأنه سيء أو لأنك لم تستطع توفير المال اللازم له أمر مختلف تماما عن إنهائه لأنك أحبطت وفقدت عزيمتك وإيمانك به بسبب أزمة نفسية مررت بها.. أرجو ألا تجعلني أضطر لتكرار هذه الجملة مستقبلا..

هل أهتم برأي الجهة التي رفضت مشروعي؟

نعم ولا.. مبدئيا إذا كانت الجهة تتيح إعطاء سبب للرفض فهذا أمر جيد، وإذا لم تكن تفعل ذلك فاطلب أنت ذلك بصفة شخصية أو رسمية، وجود feedback عن الفكرة والتنفيذ والسوق والفريق أمر مهم.. في الوقت نفسه لا تتوقع أن تكون هذه الأسباب صحيحة جدا (من جهة) أو دقيقة جدا (من جهة أخرى)، وهذا له أسباب:

1- عدد المشاريع التي تعرض على الجهة كبير، مما يجعل من الصعب -بل من المستحيل أحيانا- التركيز مع كل مشروع فترة كافية للخروج بحكم شامل صحيح ودقيق لكل عناصر المشروع الجيدة وعناصره التي تحتاج إلى إصلاح، ويكون الأسهل استخدام ردود جاهزة للأسباب الشائعة..

2- الأولويات تختلف من جهة لأخرى، فقد تجد -على سبيل المثال- من يهتم بالسوق أكثر من اهتمامه بالفريق، ويرحب بالمشروع آملا أن يتمكن الفريق من تنفيذه ومتوقعا أن ينجحوا إذا تم توفير الدعم المناسب لهم، والعكس صحيح، فستجد من يهتم بالفريق ليكون الأساس مهما كان السوق مغريا.. لهذا لن تحصل على رأي جامع وشامل ودقيق من جهة واحدة.. أضف إلى ذلك اختلاف الخلفيات العلمية والمهنية للأفراد في كل جهة..

3- اعتماد الجهة على ملف العرض (presentation) وعلى العرض نفسه وطريقته (pitching) في معرفة تفاصيل المشروع وفي تقييمه، وهي نوافذ صغيرة جدا لا تتيح رؤية المشروع بشكل كامل وكاف.. أعرف مشروعا تقدم خطوة في إحدى المسابقات لأن الشريك الذي قدمه كان هو المسؤول عن التشغيل، ثم تعثر في الخطوة التي تلتها لأن الشريك الذي قدم العرض كان المسؤول عن أمور تخص التقنية فقط.. لا يوجد ضمان أن يتمكن الشريك من تقديم صورة حقيقية وجيدة عن المشروع في ضوء ملف صغير وفي ظل وقت قصير..

4- جبر الخواطر.. وهذه النقطة ليس لها حل 🙂 إذا تبين للجهة أن الفريق غير قادر على تنفيذ المشروع أو أن هناك عيوبا في شخصية المؤسس -بالذات- فغالبا ما يتم إعطاء أسباب عامة متعلقة بالمشروع أو حتى بالجهة نفسها (على طريقة ما تقولش على نفسك كده انت حد جميل، احنا اللي ما نستاهلكش) منعا لإحراجه.. مما يعني أنك لن تعرف الأسباب الحقيقية للرفض في هذه الحالة..

يكفي أن تعرف أن التعليق الذي كان مكتوبا عن SendGrid المذكورة أعلاه في Y Combinator كان: “مشروع يرسل رسائل مزعجة للناس (spam)”، وهذا لا علاقة له بعمل المشروع، وأن صيغة الرسائل التي تلقاها مؤسسا Airbnb -ونشراها فيما بعد- توضح أنها ردود جاهزة معدة مسبقا، وأن معظم رسائل الرفض تبدأ بالاعتذار عن التأخر في الرد..

أما إذا كان التقييم مفصلا ويمكنك أن تتبين منه أن من أعطاه كان مهتما بالفعل وأعطى مشروعك من وقته وتركيزه فاستفد منه..

ما هي الأسباب الشائعة للرفض؟

تحدثت عن ذلك في مواضيع “ما يبحث عنه المستثمر في مشروعك” ويمكن أن نتحدث عنها بشكل مجمل في موضوع قادم إن شاء الله..

هل ستأخذ الأمر بشكل شخصي؟

مع أن هذا يعد دافعا قويا في بعض الأحيان خاصة في الأفلام والمسلسلات الدرامية (أن تجتهد لتنجح في سبيل إثبات خطأ من أساء الحكم عليك أو أساء إليك) إلا أن التجارب تخبرنا بأن هذا ليس الوضع الأمثل، إذ تميل العقلية وقتها إلى مبدأ lose أو على الأقل win-lose بدلا من win، وهذا له أضرار على الشخصية قد تصل إلى حد التشوه النفسي، من أشهر من نبهوا إلى ذلك ستيفن كوفي في كتاب العادات السبع.. وسنتحدث عنها بتفصيل أكبر في المستقبل إن شاء الله..

من جهة أخرى فالرفض ليس إساءة إلى شخصك، أنت طلبت شيئا، وبالتالي رفضه لا يعني أكثر من أنه غير متاح لك لسبب أو لآخر، فقط لا غير..

هل هذه هي الفرصة الوحيدة؟

إذا كان احتمال قبول مشروعك ليكون ممولا من جهة معينة هو 2%، ورأيت هذا الرقم صغيرا جدا و-ربما- محبطا، فاعذرني على صراحتي: الاحتمال الحقيقي لتمويل مشروعك من جهات التمويل هو “صفر” إذا لم تكن قد قدمت إلا في مكان واحد أو إذا لم تكن قد بدأت في التقدم إلى جهات أصلا! لا تتحدث عن الرفض في هذه الحالة، فأنت لم تبدأ أصلا.. ابدأ!

من جهة أخرى هناك طرق أخرى للتمويل بخلاف التمويل بالحصة (equity) عن طريق جهات التمويل الكبيرة، فإذا كان المشروع لا يزال في طور الفكرة فالأصدقاء والأقارب والمعارف هم مصدر منطقي للتمويل، وإذا لم يكن ذلك متاحا فيمكن أن تقترض من أحدهم، أما إذا كان في مرحلة متقدمة وكان المنتج على وشك الظهور وكان منتجا يصلح للعالم فيمكنك بيعه مقدما على مواقع التمويل الجماعي (crowdfunding)، وإذا كان موجودا فيمكنك أن تعتمد على دخل البيع مع الاستعانة بمتخصصي تسويق وgrowth hacking أو بشراكات مع موزعين.. وهكذا..

هل تحتاج إلى مساعدة للتغلب على حالتك النفسية؟

لا تقلق، هناك علاج لحالة اكتئاب ما بعد الرفض، وهو تدريب يحتاج إلى شجاعة في أول يومين اسمه Rejection Therapy، ويقوم على تكليفك بمهمة جديدة كل يوم لمدة 30 يوما، هذه المهام تحمل في طياتها الرفض، مثلا “اطلب من أي شخص غريب أن يقرضك 100 جنيه” و”اطلب من محل عشوائي أن يوظفك لديه”.. خلال هذه الفترة يحدث شيئان: أولا تتطور طريقة تفكيرك تجاه الرفض فتقل مشاعر الخجل والاكتئاب، وتعرف أن الموافقة تأتي أحيانا بما يعني أن المسألة تتعلق بالاحتمالات فكلما زاد عدد المحاولات زاد احتمال الموافقة، ثانيا تعرف ما يجب أن تقوله وتفعله لتقليل الرفض وتكتسب مهارات حياتية جديدة..

ما هو المطلوب منك الآن؟

انهض من مكانك المريح واخرج من دائرة المعارف الضيقة واستعن بالله وابدأ، نسق العمل مع شركائك بحيث يكون أحدكم مسؤولا عن نشاط البحث عن التمويل في حين يستمر الآخرون في العمل على المشروع وحل مشاكله.. جهز ملف العرض اللازم للتقدم، وتواصل مع mentors لمراجعته، وتدرب على تقديمه وشرحه، واحصل على قائمة بالجهات التمويلية المناسبة لمجال مشروعك (industry) وللمرحلة التي وصل إليها (stage)، وتابع أوقات التقديم وشروطه، واملأ نماذج التقديم وأرسلها، وسجل أمام كل جهة الخطوة التي وصلت معها إليها..

موفق إن شاء الله..

FacebookLinkedInYouTube