طريقة اتخاذ قرار

اتخاذ القرار الحيرة
قياسي

بعد أن تعرّض للجوع لمدة طويلة، فتحوا له باب الحظيرة فوجد الحمار نفسه أمام كومتين جميلتين متطابقتين من القش، وكل منهما تبعد عنه المسافة نفسها، فوقف بينهما متلهفا، وحاول الاختيار، إلا أنه كلما نظر إلى واحدة منهما خاف أن يفوّت على نفسه مزايا الكومة الأخرى، فنظر إليها ليقرر، فخاف أن يكون القرار خاطئا وأن يفوّت فرصة الكومة الأولى، فنظر إليها، وهكذا.. في النهاية مات جوعا..

هذه التجربة الفكرية اسمها “حمار بوريدون”، طرحها العالم جان بوريدون ليتحدث على استحالة اتخاذ قرار بين خيارات متطابقة، وأن كل ما يمكن عمله عندها هو الانتظار إلى أن تتغير الظروف فلا تعود الخيارات متطابقة..

لا تخلو حياة أحدنا من قرارات صعبة يجب اتخاذها، متعلقة بالدراسة أو العمل أو العلاقات أو غيرها، وفي بعض منها يكون القرار هاما لتأثيره المباشر على الحياة وعلى طريقة المعيشة والأحداث المتوقعة فيها، وتأتي الصعوبة من تساوي كفتي ميزان المزايا والعيوب بين البدائل والخيارات وبين بعضها البعض، مما يؤدي إلى أوقات توتر وقلق تتوقف عندها الحياة وتكثر المخاوف.. فماذا ينبغي أن نفعل في مثل هذه المواقف؟

  • كلما سمعت من أحد تعبير “عندي مشكلة” ليصف به حيرته إزاء اتخاذ قرار يخص حياته تذكرت تعليق واحد من أعظم من تعلمت منهم في مقتبل حياتي، الأستاذ ممدوح أمين، فقد كان يقول “اتخاذ القرار ليس مشكلة، اتخاذ القرار فرصة!”، لا ينبغي أن تكون فترة اتخاذ القرار فترة درامية مليئة بالتوتر والقلق، بالعكس، أنت في فرصة قد لا تتاح للكثير من الناس، وبما أنك محتار بين الخيارات فهذا يعني أن بكل منها مميزات، فما الذي ترغب فيه أكثر من ذلك؟! فكر في هذه الفترة على أنها منحة وفرصة لك (مهما كان القرار في النهاية) وتعامل معها على هذا الأساس.. عند التفكير بهذه الطريقة يتحول الأمر من “ضرورة” البحث عن حل للمشكلة إلى “متعة” استكشاف الأبعاد المختلفة للخيارات والمقارنة بينها..
  • المعلومات بالنسبة للعقل بمثابة الضوء للعين، نعم، بدون المعلومات يعمل العقل في الظلام ويتحول عمله من تحليل ودراسة إلى ظن وتخمين، لهذا فالخطوة الأساسية في عملية اتخاذ القرار هي تحديد الخيارات بشكل واضح وجمع كل المعلومات الممكنة عن الموقف نفسه ثم عن الخيارات، كلما توفرت معلومات أكثر (وأدق بالطبع) كانت عملية اتخاذ القرار أكثر قوة وأكثر طمأنة، ولا ينبغي تجاهل أي معلومة فقد تكون معلومة تافهة في العموم مهمة في إطار عملية اتخاذ القرار..
  • الخطوة التالية لها هدفان مهمان: الأول توسيع المدارك وتكبير مساحة الرؤية وإثراء الموضوع بالمعلومات، والثاني الاستفادة من الخبرات العملية التي تزيد على خبرات صاحب الموقف.. هذه الخطوة هي الاستشارة، وكلما كان الأشخاص المستعان بهم للاستشارة أكثر فهما للموضوع وكانوا قد مروا به أو لهم مشاهدات مشابهة في حياتهم كان ذلك أكثر فائدة وأقوى تأثيرا.. لكن! أرجوك ألا تسعى للحصول على استشارة تقرر لك ما ستفعله بشكل مباشر! صحيح أنك أحيانا ستضطر إلى ذلك ولكن لا تجعله أمرا معتادا، لماذا؟ لأنك إذا اعتدت على الحصول على التوصية أو النصيحة بشكل مباشر “افعل” و”لا تفعل” فستظل معتمدا على غيرك في كل قراراتك، وهذا أمر يضر بشخصيتك على المدى الطويل..
  • الطريقة المنطقية التي يتم بها عمل مقارنة بين الخيارات على أمل الوصول إلى قرار هي: دراسة المميزات والعيوب، حيث يتم عمل جدول بسيط عموده الأول يحتوي على نقاط المقارنة، ثم عمودين أو أكثر (واحد لكل خيار) يكتب في كل منها تقييم الخيار حسب النقطة التي أمامه.. ولكي تكون هذه الطريقة فعالة أكثر وذات نتيجة أسرع يمكننا إدخال تعديلين عليها، التعديل الأول هو إضافة عمود إضافي اسمه “أهمية النقطة”، وفيها نعطي رقما يدل على أهمية كل نقطة المقارنة (من 1 إلى 10 حيث 10 تعني مهم جدا)، والتعديل الثاني هو إضافة عمود أخير اسمه “نقاط للدراسة”، نكتب في هذا العمود الأسئلة التي تظهر لنا بخصوص كل نقطة (إن وجدت)..
  • إذا تبين أن نتيجة المقارنة لم تكن قاطعة لصالح أحد الخيارات فهنا يمكن استخدام طريقة الاستبعاد التي اعتمدها إدوارد دي بونو في منهجه لتعليم التفكير (الذي تعرفت عليه عن طريق أحد من أفادوني في عدة مجالات: الدكتور شريف الهجان)، فالطريقة التي يمكن الخروج بها من هذا الموقف هي التغاضي عن المزايا والبحث عن العيوب، عن طريق حصر كل العيوب في كل الخيارات دائما يمكن الوصول إلى عيب يمكن به استبعاد خيار ما لصالح غيره..
  • الاستعانة بالله عن طريق الاستخارة أمر أساسي، والاستخارة نوع مخصص من الدعاء يتم عن طريق صلاة ركعتين ثم الدعاء بدعاء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم يطلب فيه من الله أن يقدر له الأمر وأن ييسره له وأن يبارك له فيه إذا كان خيرا وأن يصرفه عنه إذا كان غير ذلك، ويحتاج إلى أن يكون هناك خيار مرجح تم الوصول إليه لأن الاستخارة مرتبطة بقرار معين.. بعد الاستخارة تبدأ في تنفيذ الخيار الذي وصلت إليه وتترك التوفيق على الله..
  • سأستبعد الاختيار العشوائي بين الخيارات، صحيح أنه لا يزال شيئا يمكن عمله إذا زادت الحيرة لكنه يلغي ما سبق من تفكير ودراسة وتحليل ويحول الأمر إلى حظ وقرعة، مما لا يجعل النفسية مطمئنة أثناء القيام به..

كلما وضعت في موقف أحتاج فيه إلى اتخاذ قرار تذكرت “حمار بوريدان” فساعدني ذلك على الانتباه إلى النقاط السابقة والقيام بما يجب علي القيام به..